|
الواقع الثقافي .. جدلية الإقصاء والإخصاء
في
(محافظة السماوة) .. نموذجاً
زيد الشهيد
الثقافة عين المجتمع في نظرته إلى حركية العالم
والمسار المفترض في تداولية الحياة إلى الأمام عدوا، لا إلى
الوراء انكفاءً. هي الإرث الدافع للفخر بالوجود، والتباهي
بالهوية. لا أمّة تستطيع الاستمرار في التنامي الطبيعي بناءً
على أبجدية الحق في الوجود إن لم تترك أختاماً ورقماً معرفية
تثير إدهاش الزمن وتلوي عنقه ليعترف بها بنَّاءةً، خلاّقة،
واهبة. ولقد أخبرتنا صحائفُ الإنسانية عن الأقوام التي تشبثت
فانوجدت، وأطلعتنا على الأقوام التي استهانت فانمحت. وقال لنا
التاريخ هاكم دفتر الأيام تصفحوا واقرءوا. تصفحنا وقرأنا؛
واكتشفنا أن الثقافة كانت ومنذ الأزل ديدناً للعراقيين؛ وأنَّ
المعرفةَ وطلبَ المعرفةِ واقتناءَ المعرفةِ داءٌ لا ينجلي من
عقول العراقيين. هي الصفة التي إن تخلى العراقيُّ عن كل شيء
يبقى يضم بكف قلبه جوهرةَ المعرفة، لا يبغي فقدانها. لأنَّ
فقدها عنده يعني محقهُ من هويةِ كينونتهِ وإلى الأبد من هنا
ولدت الأساطير والملاحم. ومن هنا ظهر الشعر كبناء تعبيري يجمّل
ذائقة البشري ويُحسن لديه التعبير. ومن هنا كان للهمِّ اليومي
الذي يعيشه العراقي مقاربةٌ إنسانيةٌ لا تخصه فحسب بل تجمع في
مديات اهتمامه الرؤى البشرية عموماً.
الواقع الثقافي العراقي .. تصوِّر أولي
ليس سراً أو جنايةً إن ادعينا أن الثقافة وفي
عموم الأرض العراقية عانت من تشظًّ مدروس بفعل أعوامِ طويلةٍ
من الإلغاء شأنُها شأن كثير من الفعاليات المعرفية. كان الشعار
غير المرئي والذي يقول "لا قامة تعلو فوق قامة القائد الهمام"
هو السائد والمُنفَّذ من قِبل السلطةُ الثقافية قائدةُ حركةِ
المثقفين وراعيةُ تسييرِ شؤونِهم. لذلك صار وطوال ما يزيد عن
الثلاثين عاماً ما أن يظهرُ علمٌ ثقافيٌّ، وتظهر بؤرةُ معرفيةٌ
ناهضةٌ وجادةٌ حتى تُستأصَلُ من منبتِها كظاهرةٍ غير مقبولة،
أو أن تصبح في خدمةِ النظامِ تتحركُ بمشيئته وتتوقفُ متى أراد.
وبهذا وجدَ المثقفُ ذو الخزين المعرفي، ذو الطاقةِ المتأججة
بالإبداع نفسَهُ بين مطرقةِ الإقصاءٍ وسندانِ الإخصاء. وسرعان
ما استحالَ جمعُ المثقفين بين مُطبّلِ ومزمِّرِ ويدٌ طولى
للنظام تُرهب أقرانَه من المثقفين، وبين صامتٍ آثرَ الانكفاءِ
وهاربٍ فضَّل النأي عن الوطن وسجينٍ غيبتّه الزنازينُ الدهماء.
وفي هكذا أجواء مريضة وغير صحية رأينا إلى أدباءَ ومثقفين
يحظون بما يُنشر لهم وباليسر الخرافي حيث إصدارات كتبهم
تتوالى، في حين رأينا إلى غيرهم من المبدعين والخلاّقين
الحقيقيين أمنية تلمّسِ منتجٍ لهم يُكحِّل عيونَ إبداعِهم
بالرضا.
محافظة السماوة .. التغييب والمعاناة
لا شك إن محافظة السماوة شأنُها شأنَ بقيةِ
محافظات الوطن عانت الكثير من التغييب المدروس. ولم تولد فيها
حركةٌ ثقافيةٌ تعيشُ الوضعَ الصحي الثقافي تحتَ خيمةِ اتحادٍ
أو تجمعٍ ثقافي وأدبي. وكانت جميعُ الجهود الفردية تبوءُ
بالتردّي والفشل لأنَّ السلطةَ تدركُ أنَّ ولادة أي تجمعٍ هو
بمثابةِ ولادةِ قوةٍ معارضةٍ لها، يجمعُها التنظيمُ ويوحِّد
كلمتَها الهدفُ الخيِّرُ الذي يتعارضُ ومسيرتها التهشيمية
للمجتمع. وظلَّ المثقفُ في المحافظة بين المحاولةِ ثم المواجهة
بالقمع، وبين التواري الذي يؤمِّن له السلامة.
تشكيلُ ولادةِ أولِ اتحادٍ للأدباء
جراء الجهود الحثيثة والمراجعات المستمرة
والنقاش المتواصل مع مقر الاتحاد في بغداد استطاع المثقفون في
المحافظة في العام 1998 انتزاع قرار بتشكيل اتحاد للأدباء.
وكان العام المذكور عام ولادة أول اتحاد. وقد شهد الأدباء
والكتاب آنذاك تحرك حزب السلطة من جمع أتباع له استطاعوا أن
يلتفوا على فرحة الولادة فيكونوا الكفّة الراجحة في اتخاذ
القرارات. ولم يكن ثمة نشاط يُذكر للاتحاد. وبقي أعضاؤه بلا
أنشطة تطبع وجوده وتميّزه. فلم يصدر كتاب لأديبٍ مثلاً من أيةِ
جهة ثقافية رسمية بعد التشكل. وحاول صاحب هذه الكلمات أن يصدر
مجلة بعنوان "توهجات" تجمعُ ما لدى الأدباء والمثقفين في
المحافظة لتكون نشاطاً ثقافيا يأخذ طابع الاستمرار. إلا أنّه
ووجه بالمنغصات والملاحقات وأخبار اعتقاله القريب مما اضطره
للهرب خارج البلد هو وأسرته.
وبقي الراقصونُ في الساحةِ أولئك الذين ينعقونَ
مع كلِّ ناعقٍ؛ والذين رأيناهم الآن ـ للأسف ـ يتراقصون على
إيقاعِ جراحِ المثقفين المبدعين الحقيقيين ويتقدَّمون الصفوف،
ويأخذون المراكزَ بلا حياء ويأكلون الكيكةَ السمينة وما هي
بسمينة لكنَّهم يرونها هكذا لأنهم هواءٌ، ولأنَّ ودواخلَهم
فراغ. فكلُّ ما يقتاتون عليه يجدونه بفعل خوائِهم مُشبَّع
ويملأ بطونهم الشرهة.
إنَّ الدهشةَ لتملأنا ونحن نرى إلى الوجوه التي
كانت هي في الساحة الثقافية والتربوية والاجتماعية ما زالت كما
هي دون تغيير؛ وما زال الفسادُ يَستشري وخيبةُ الأملِ تتغلغلُ
إلى نفوسِ الأنقياء الذين صبروا لخمس وثلاثين عاماً على أمل أن
تبزغَ شمسُ الحقِّ فيجني الصابرون ثمارَ صبرِهم. وإذا نظرنا
إلى تغيير يعض الوجوه فنجد أنها الوجوه التي سرعان ما لبست
أقنعة وجوه السابقين وانطلقت تتصرف بذات التصرفات وتسلك نفس
السلوك الذي اتبعه ما قبلهم. فالأنانية والوصولية والظهور
السريع هو ما نراه اليوم عند المثقفين الجدد الذين كانوا يضعون
أنفسَهم في مصافِ المُضطَهدين والمناضلين. وصرنا نرى التكتلاتِ
في الإصدار والنشر. وكلُّ تكتلٍ يحاول إظهار أتباعه ولو على
حسابِ المبدعين الذين لا يملكون سلاحَ التحارب اليومي أو الذين
لا يجدون مبرراً في المواجهة.
الإبداع الفردي .. النتاجات الفردية
لأنَّ المبدع السماوي شأنه شأن كل مبدع عراقي
لا يرتضي الانكفاء على حساب إبداعه؛ ولا يرتضي إبقاءه
مُغيَّباً أمام ذاته فقد اندفع لإثبات كينونته بأن أجهدَ نفسه
لإصدار ما يُنتِجهُ، وجعله يدخلُ إلى حلبةِ النور ليكون بين
يدي القراء ولو على حسابِ سرقة المال من قوتِ أطفاله أو تقليصَ
مشترياتِ رغباتٍ ينبغي لها أن تحصل. فراح يدخل دورَ النشرِ
ليجعل كتاباً له يُنشر ونصوصاً من خلاصة إبداعه تقفُ أمامَ
ذائقة المتلقي فأصدر:
(1)
زيد الشهيد:
"حكايات عن الغرف المعلقة" مجموعة قصص، و"فضاءات
التيه" مجموعة قصصية، وتبعهما بـ"أمي والسراويل"
مجموعة شعرية، ورواية.
(2)
عاتي البركات:
"نبوءة
الغيوم".
(3)
نجم عبد عذوف:
"فتى الجنوب"، و"رقصة الظل".
( 4 )
حسن حلاوة
ويوسف المحسن: "مآرب أخرى"
مجموعة شعرية مشتركة.
(5)
باقر صاحب:
"جياد لن تصل" مجموعة شعرية.
(6)د.ناجي كاشي: "الموت
على قارعة الفزع"
سيرة ذاتية.
(7)نجم عبد الله: "دنيا
ضفاف" مجموعة شعرية.
(8)حيدر المعموري: "وداع
موحش لاسطورة الحلم" مجموعة قصصية.
(9)كريم السماوي: "سلوبودان"
رواية.
(10)باقر السماوي:
مجموعة شعرية.
وكان للسماوة إن ولدت
مبدعين رحلوا عنها في العاصمة والمدن العراقية القريبة أو
تشتتوا في المنافي البعيد؛ فكان منهم الشعراء: كاظم السماوي
ويحيى صاحب وخالد المعالي وصادق الزعيري
ويحيى الطوبجي والقاص حامد فاضل والكاتب المسرحي
عبدالحسين ماهود.. وآخرون.
الإشكالات الحاصلة .. ما لا ينبغي أن تحصل
إن التخبط والعشوائية التي
كانت تمارس في عهد النظام السابق حيث حيازة المراكز تحصل كيفما
أرادت السلطة ومتى شاء الحزب الحاكم. والغريب أننا ما زلنا نرى
ونلمس نفس هذا المسار وذاتها الخطوات. وهذا يترك أثراً حفرياً
مأساوياً في قلب ومشاعر المغيبين سابقاً والذين ينبغي أن
ينالوا حقهم من التكريم ووضعهم في أماكنهم الحقيقية، التي
تتناسب وإبداعهم الثر الخلاق. إننا نرى اليوم من يصعد ليتبوأ
مركز مثلا رئيس اتحاد الكتاب في المحافظات أو عضو هيئة اتحاد
مثلاً وهو لم يطبع منشوراً واحداً؛ ولم نشهد له حضور في الساحة
الثقافية الحالية. وتصوروا ماذا سيفعل هذا الذي لا يقرأ جريدة
ولا يعرف مبدعي الساحة الثقافية، ماذا سيفعل بالمبدع الذي يقرأ
ويتابع وينشر ويتفاعل في الحركة الثقافية اليومية إن هو وقف
ندّاً له في الحق.
ما زال التغييبُ حاصلاً في
الإصدارات. فلم نعرف محاصصة للمثقفين المبدعين في موضوعة نشر
النتاجات.. فمثلا لم نر في مجلة الأديب مَن يمثل
المحافظات، فيقدم النتاجات ويكون هو المتابع والمسؤول عمّا
يقدم. حيث ما زلنا نرى هيمنة أعضاء اتحاد الأدباء المركزي
بأسمائهم على هيئة تحرير المجلة. وهذا ينسحب أيضاً على المجلات
الشهرية والدورية مثل مجلة الأقلام. حيث كنا نقرأ وخنجر
الألم يطعننا أن هيئة تحرير المجلة كانت تلعب في الصفحات كما
تشاء دون حياء نرى إلى مادتين أو ثلاثة لكل واحدٍ منهم في عدد
واحد. والمضحك أنهم كانوا يدركون ذلك فيكتبون أسماءهم مرمّزة.
وفي الأعداد اللاحقة في زمننا هذا رأينا إلى الأسماء الجديدة
تدفع بأعمالها وكأن المجلة ملك لمن يأتي فيفرض نفسه على واقع
الحال.
ما زال المثقف ينظر بعين اليأس
وهو يرى إلى أناسٍ أوجدتهم الصدف والممارسات المراوغة وقد
حصلوا على مراكز أمّنت لهم حسن العيش بينما هو مهمَّش ومُرمى
إلى غياهب الفقر والمعاناة القاسية.
ما زال العنصر النسوي منتبذاً
بعيداً عن الحركة الثقافية في عموم القطر؛ والمرأة تعاني
التهميش وعدم فسح الطريق أمامها لتأخذ دورها المعرفي والثقافي
في الكلمة المكتوبة والصوت المعبر عن وجودها.
إنَّ الكثيرين من المسؤولين
الذين صعدوا عن طريق أحزاب مثلوها لا يعرفون أهمية الثقافة
وخطورتها في المجتمع؛ لذلك:
ما
يريده المثقف والأديب السماوي
أن من يرشح لمنصب رئيس اتحاد
المحافظة يجب أن يكون لديه ما لا يقل عن ثلاثة إصدارات. وأن
يُرى اسمه حاضراً في الساحة الثقافية الحالية ليكون على معرفة
متواصلة بالنشاط الثقافي اليومي في العراق.
أن ينال المبدع في المحافظة
حصته من النشر والإصدار من المؤسسات الثقافية المركزية. وأن
يُدعم بما يستطيع نشر نتاجه إذا ما تعلق النشر في مؤسسات
أهلية.
أن تشمل الاتحادات الفرعية في
المحافظات بحصص التواصل مع المؤسسات الثقافية العربية
والعالمية؛ لا أن تبقى هذه الأنشطة من حصة أعضاء الاتحاد
المركزي ويرمى بالفُتاة للاتحادات الفرعية.
ينبغي أن يُصار إلى عقد جلسات
تحاورية يحضرها أعضاء الاتحادات الثقافية ويتم خلالها طرح ما
هو إيجابي وما هو سلبي لتقويم الأخطاء العفوية ومحاسبة مرتكبي
الأخطاء والممارسات المقصودة المسيئة للحركة الثقافية في
العراق عموماً.
ينبغي أن تتحقق للمبدع والمثقف
منجزات ترفع من مستواه المعيشي ويوفر له العيش المستقر. وأن لا
يُهمل في مراحل تقاعده وتوقفه عن الإبداع.
يجب أن يأخذ الاتحاد الفرعي في
المحافظة دوراً كبيراً وتحركاً واسعاً في استنهاض الإبداع
النسوي الذي لا تخلو الساحة الثقافية منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*زيد الشهيد:
كاتب وناقد من العراق.
zaid532000@yahoo.com
|