مجلة ألواح

 
   

النار المتوحشة .. وتحولات المثقف المتكيف

(في منفى الثقــــافة)

د.فاضل سوداني

     

أولا :  منفى الثقافة  العراقية

 

"البلاد أمست ظلاما        

 صارت ملأى بالظلال.

من ذا الذي رأى إنسانا      

 تملكه الخوف، يعيش بسلام.

لا تدع أصدقائك الذين اصطحبوك

ينتظرون عند سفح الجبل

لا تدع ألام التي ولدتك

تقذف إلي ساح المدينة".

 

    ينبئنا هذا الشاعر (من السلف السومري) الذي عاش في الألفية الثالثة  قبل الميلاد، عن الخراب الذي عم بلاد سومر، فحفر الخوف في روح الإنسان السومري. انه يحدثنا عن فلسفة هذا الخوف بطريقة وكأنه يحذر المثقف العراقي والعربي المعاصر ويؤشر مهماته ومواقفه التي تساهم في إنتاج تلك الثقافة الإنسانية الفعالة التي تحدد مستقبل ومصير الإنسان والأمة والمدينة. وكأن هذا الشاعر السومري يتحدث عن التكيف السلبي للمثقف الذي يؤصل الخوف، عندما يخون مثل هذا المثقف ذاته ومهماته التاريخية ويتكيف مع المشروع السلطوي الاستثنائي. إن تعميم الخوف في المجتمع وشعور الإنسان ببؤس ثقافته يتحقق عندما يتخلى المثقف عن حصانته الداخلية ودوره التاريخي فيعم الخواء في روح الأمة. وضمن أهمية هذا الدور لا يكون من المنطقي مناقشة الواقع الثقافي وفعالية المثقف في تطويره ما لم يأخذ بالاعتبار أهمية الدور التاريخي للمثقف غير المتكيف. حيث ينشأ التكيّف عندما يكون هنالك خواء فكري يميز فعاليات الإنسان الحياتية والفكرية، وسكونية التطور الاجتماعي، فالتكيّف هو الموقف السلبي للمثقف المتساهل مع ذاته وتاريخ كينونته، لا ن مثل هذا المثقف هو الذي تفوح منه رائحة  خبيثة (حسب ميشيل غيلدرود) بل تكيف نتن نتيجة لموقفه المتصدي. وبمعنى آخر أن مثل هذا المثقف المتكيّف لا يؤثر في تطوير العملية الفكرية بمسارها الديالكتيكي في مجتمعه إلا سلبا. لأنه يتخلى عن دوره ووجوده  الفاعل، وبهذا فان المثقف هنا يتحول إلى أداة في آلية السلطة الاستثنائية تاريخيا وآنيا، ويكون مستعدا للمساهمة  في برامجها لتهيئة الظروف التي تخلق عدمية الثقافة والفن، والمساهمة في تهيئة ظروف اجتماعية أخرى تعمم مجانية العنف وتعيد الغرائز المتوحشة في روح الإنسان لتأخذ الأولوية في سلوكه ويكون مستعدا دائما لتبرير قرارات النظام الدكتاتوري التوسعي في شن الصراعات الطائفية في داخل المجتمع والحروب العدوانية غير المجدية بحجج مختلفة يكيفها ويبرمجها بالتدليس والاحتيال. ومثل هذا المثقف هو الذي يهيئ الارتزاق الموبوء في الثقافة والفكر.

  ويكون هذا واضحا في الأنظمة الشمولية والدكتاتورية. أما النقيض  لمثل هذا المثقف فقد أطلقنا عليه بالمثقف المتفاعل غير المتكيف الذي يؤثر إيجابيا كذات مبدعة في العمليات الفكرية والاجتماعية التي لابد أن تتطور ضمن المفهوم العام للتطور الديالكتيكي.

  فالإبداع الحر الناتج عن الموقف الفكري غير المزيف للمثقف هو القادر على تعميق انسجامه لذاته ومجتمعه (المثقف = منتج الثقافة المبدعة)، ومن جانب آخر فان الموت القسري والمجاني والاضطهاد والحروب المدمرة اللامجدية وما تنتجه من ثقافة عدمية مزيفة تزكي العنف، بالتأكيد ستشكل منفى المثقف الداخلي، وهذا كله سيكون متناقضا مع الوعي والنبل الإنساني لشهود العيان من المفكرين والفنانين المتفاعيلين، ومتناقضا مع مطالبتهم أو قسرهم على قبول أو تبرير العنف الذي ستخلقه السياسة الدكتاتورية الاستثنائية. أما المثقف الذي أُجبر على ترك وطنه  للعيش في المنفى فانه يتعرض للتشويه المدمر عندما يُقتلع  ـ لأسباب  كثيرة ـ من منبع وعيه، من المكان الأول..البيت الأول، من الباب ودكته الأولى.. الوطن الأول. ويقذف تائها في حفريات  نفي الروح والفكر واللغة والأخلاق وفي الهوة المظلمة من ذلك العالم الغريب، ذلك الفردوس الأوربي، عالم المتاهة والآلية والعواطف المبتسرة،المتجردة والملَتبسة في غربة لانهائية مادام قد تعود عليها، وفي زمن المنفى الذي يمتلك القدرة على محو آلية الذاكرة اللا إرادية، ذاكرة الماضي ذلك الخزين الماضوي الذي يشكل أساس الحصانة الداخلية للمثقف، لان المنفى بطبيعته يفرض اختلاط الأزمنة بل أن آنية المنفى (وخاصة في البلدان  المتطورة والتي تعاني الاغتراب التكنولوجي) تحتم التخلي عن هذه الحصانة الذاتية أي الذات في وجودها الماضوي. فيبدأ التوهان الحقيقي والاضمحلال في قدرات دور المثقف الإبداعي قياسا لدوره الحقيقي الذي يمكن أن يلعبه وهو في وطنه، مثل إمكانية المساهمة في تأسيس تاريخه وتاريخ أمته عندما يمتلك مسؤولية سن طرائق الفكر والثقافة في مجتمعه، لأنه "كالطير الضائع عن عشه كذلك الإنسان الضائع عن مسقط رأسه". كما يقول شكسبير. ومن خلال هذا التناقض بين نقاء ونبل ذات الفنان المتفاعلة، وبين التزام الصمت على دموية النظام الاستثنائي من قبل المثقف المتكيف، يكتشف المثقف بوجهيه (أي المتكيف والمتفاعل) بأنه يعيش حالة من اللا انسجام، أو الغربة القاسية والمنفى الداخلي وهو مازال في وطنه. وهذا هو أيضا منفى للثقافة والفكر واللغة في وطنها أكثر قساوة وعدم قبول للثقافة في منفاها.

              

ثانيا : الوعي البائس للمثقف  المتكيف

   المثقف المتكيف والأبخرة الموبوءة

 

)نحن الذين زرعنا الجيفة في حدائقنا الغّناء منذ زمن بعيد)

 

   يشكل ديالكتيك تطور الثقافة الحرة خطورة على أنظمة الكثير من البلدان غير الديمقراطية  فأي توقف لعملية تطوير الثقافة والفكر يعد استثناء تاريخيا على شتى الأصعدة مما يؤدي إلى انحراف في مسار عمليات البناء  الاجتماعي. والخطورة تكون أعظم إذا شكلت الأمية نسبة كبيرة في المجتمع، كما هو الحال مع الإحصائيات المفاجئة لليونسكو عن حجم الأمية في الدول العربية مثلا (65 مليون أمي أي أكثر من 43% من السكان إضافة إلى وجود 900 مليون أمي في العالم) وإذا أضيف إلى هذا لامبالاة وتساهل وخيانة المثقف لدوره  وخاصة في مجتمعات ما يسمى بدول العالم الثالث، ستكون النتائج بالتأكيد اكثر تشاؤما بل خطرة إلى حد مريع. فتتجذر السكونية في التطور الاجتماعي والثقافي وفي الذات الفردية. إن الهدف من خلق سكونية مثل هذا الواقع وتهيئة ظروفه، هو الخوف من تأثير الثقافة،وإلغاء دور المثقف المتفاعل غير المتكيف فيتشكل منفى الثقافة في:

أما

1ـ أن ينسجم المثقف مع هذه السلطة الاستثنائية مداراة لمصلحته الأنانية الفردية أو الطبقية ويخون ذاته.

                       أو

2ـ الانغلاق على الذات والضياع في متاهات الصمت أو التباس الوضوح.

                       أو

3ـ خيانة الذات والموقف التاريخي فيتحول إلى تاجر للخردوات الفكرية ليعيش الكذب والزيف، ويصاب بالشيزوفرينيا الفكرية.

                         أو

 يبتعد عن المساهمة في بناء العمليات الاجتماعية ـ الفكرية في وطنه ويفضل المنفى، ابتغاء لتفرد الموقف  وحرية الإبداع خوفاً من أن يربطونه بحجر الرحى ويقذف في أحد الأنهار العربية المذكورة في الكتب المقدسة فيضيع قضاءا وقدرا.

   إذن أما التكيف الفكري في وطنه ضمن ظروف السلطة الاستثنائية، أو التكيف ضمن شروط المنفى. أما الطريق الآخر أي طريق انسجام المثقف الحر مع ذاته ودوره التاريخي فهو الطريق الأشق لكنه الأمثل لإنقاذ الوعي الحر المشاكس الذي يمتلك ضرورته للمثقف المتفاعل غير المتكيف. إذن هل يتحتم على المثقف العربي في الظروف الاستثنائية أن يتحمل الزيف الفكري بقسرية العنف التي يفضلها النظام الاستثنائي ليجبره على التخلي عن ذاته ونقاء حصانته الذاتية من اجل أن يصمت إزاء إمعان هذا النظام بتخلفه وحروبه والويلات التي سيجلبها الدكتاتور على شعبه والعالم، واعني أيضا ذلك السياسي النرجسي فكرا وجوهرا (الذي يتغزل دائما بنفسه أمام المرآة الرئاسية وأمام مرافقيه وضيوفه)؟.

  لكن قبل هذا يمكن القول بان الدقة في تفسير دور المثقف هي حتمية تفرضها المسؤولية الذاتية والاجتماعية (فكل خطأ في تفسير دور المثقف يؤدي إلى خطأ في تفسير دور الثقافة). وعندما يكون هنالك التباس في موقف المثقف وعدم وضوح هدفه، يبدأ الغموض في إبداعه ودوره التاريخي والحياتي.

  فتبرز البلبلة الفكرية ويبدأ استعداد السلطة الاستثنائية لسحق المثقف الحر والفعال وغير المتكيف، أو إغراءه وإجباره حتى يتكيف ليصبح هو مثقفها المخلص الذي يكون على استعداد لتنفيذ المشاريع الثقافية والفكرية  ذات الطابع السياسي البوليسي التخريبي، وبهذا يكون تابعا للسياسي وجزءا من ماكنة السلطة، فيمنحونه وسادة الخدر، ليكون صاحب الوعي البائس بامتياز. وهذا يعني توريط الذات في الوعي المشوه وتحويل المثقف إلى إنسان متكيف مع آلية النظام ومرتكزا صغيرا فيه مستعدا دائما ليس للمساهمة مع السلطة في تشويهها لديناميكية الثقافة تاريخيا فقط، وإنما العبث بالقرارات المصيرية وتكيفها لمصلحة النظام التي تنعكس في (الحروب العدوانية غير المجدية مثلا).

 وبما أن الثقافة والفكر هي عمليات معقدة في تطورها، لأنها تعتمد على العوامل الفكرية الذاتية، أي الفكر والثقافة ومنتجوها وتكوينهم الطبقي والفكري ومدى حساسيتهم الذاتية إزاء الحقيقة. وكذلك على العوامل الموضوعية، أي التراكم الكمي والكيفي للتطور الثقافي والفكري تاريخيا ودرجة الديناميكية الاجتماعية.لذا فإن دور المثقف ومكانة الثقافة في التطور العام يجب أن يكونا أكثر وضوحا. مما يدفع بالمثقف المتفاعل الحر غير المتكيف أن يحمل مصباحه النافذ (مصباح ديوجين) وسط ظهيرة الخراب الفكري والاجتماعي ـ الذي يتميز به مجتمعنا العربي مثلا بل عالمنا أيضا ـ للبحث عن المستحيل، أو عن ذلك الخدر والسكونية في روح الإنسان وروح الأمة وروح الحضارة من أجل تشخيصها.

 

عدوى المثقف المتكيف

  إن مشكلة المثقف العربي الحر والمبدع عموما تكمن في أهمية قدرته على مقاومة الضياع والبلبلة الفكرية والقمع والاستلاب والاغتراب التي تحتمها الظروف الاستثنائية في وطنه، أو قدرته على تجاوز مشكلة آليات حياة المنفى التي يعيشها اختياريا أو قسريا. ومن اجل الوصول إلى الوعي الخلاق لتطوير ذاته وعدم السقوط في شيزوفرينيا الذات والوعي(حسب إفهومة كيركغارد الفلسفية) يتحتم عليه أن يعتمد على تماسك ذاته وصلابتها وبنائها، أي اختيار ذاته من جديد والانغمار في الإبداع الحر والمستحيل ورفض مغامرات السياسي الأناني  وحروبه المجانية سواء كانت مع الدول الأخرى أو حروبه ضد شعبه مهما كان الثمن، وكشف المسكوت عنه  في الثقافة والتاريخ والتراث وتحويلهما إلى عناصر فاعلة لخدمة الإنسان ثقافيا (في مجتمع عربي مهووس بالتعاويذ وخلق المحرمات الزائفة التي تقود نحو الهاوية مثلا).

   إن تحولات عصرنا الآن وبالرغم من إنها مرتبطة بالعولمة (إذا كانت تعني الهيمنة الثقافية والتكنولوجية)، فإنها تفرض زمن المثقف والمفكر صاحب العقل الديناميكي المسؤول الذي يرفض التكيف الخالق لظروف المواقف المزيفة والكتابة المرتزقة غير المسؤولة في عالم يتحكم به الصيارفة والبنوك والبوليس السري والدكتاتور النزق الذي يجعل من مجتمعه ومدينته لعبته المفضلة  فيود أن يراها تحترق من اجل أن يخلد دمعته الوحيدة المزيفة. كل هذا يؤكد النظر إلى التاريخ والواقع الآني ببصيرة جديدة تجعل من حساسية المثقف عموما أن تتلامس مع الأزمنة الجديدة، وعكس هذا فان التكيف يخضع كل صنوف الثقافة والفكر للزيف، من هنا تأتي أهمية عدم تساهل المثقف مع ذاته حتى يصبح فاعلا في وجوده.

  إن المثقف المتكيف وصاحب الوعي البائس وغير الحر هو المتساهل المحصّن دائما بالتبرير الجاهز الذي لا يخدم الحقيقة. غير أن خواء أية ثقافة وعدم فعاليتها متأتية من خواء روح المثقف بالدرجة الأولى وعدم تطور الظروف الموضوعية، وتضخم عبوديته لمصالحه الأنانية الآنية الصغيرة، وهذا يفرض عليه الالتزام بثقافة تخدم مصالح الأنظمة الاستثنائية. كل هذا يتطلب التفكير الجدي بطبيعة الثقافة التي يحاول أن ينتجها المثقف المتكيف صاحب الوعي البائس في وطنه أو منفاه، والتي بالضرورة تتناقض مع تلك الثقافة الفاعلة تاريخيا التي تخضع للتطور الديالكتيكي المؤثر في الإنسان والتي تساهم في بناء المجتمع وإغناء ذات الإنسان وروح الأمة. وبالتأكيد فان ما نطلق عليه بمفهوم التكيف الفكري والثقافي، والذي نعتبره ظاهرة للمثقف السلبي المعاصر، حيث من خلالها يضطر هذا المثقف إلى الالتزام  بالفكر الفاشي. وإذا كانت فرضيتنا هذه منطقية ومعقولة فإننا يجب  التأكيد بان مثل هذه التحولات لابد أن يكون لها ظروفها ومسبباتها وتمهيدها التاريخي. ولكن الخطورة تكمن في العمل على تعميم ظاهرة التكيف لدرجة إنها لا تشمل المثقف فحسب بل المجتمع لفترة زمنية استثنائية محددة،ولا يمكن للسلطة الدكتاتورية الاستثنائية أن تحقق هذا ما لم تخلق الظروف التي ستساعد على تكيف  قطاعات كبيرة من المجتمع كما حدث في العراق عند وصول البعث إلى السلطة في انقلاب عام 1968 حيث عملت الدكتاتورية على فرض البرنامج الثقافي الحزبي الفاشي (وهذا ينطبق على جميع الأحزاب الشمولية) لتنمية خيانة المثقف الحزبي لدوره التاريخي مما يجعله تائها في تلافيف الارتزاق وخادما أمينا للجهالة التي يخلقها النظام الدكتاتوري الشمولي.

 

ثالثا : التدجين الثقافي في المجتمع  العراقي

التمرد الثقافي

 

  يعد المثقف المتفاعل غير المتكيف صاحب الحضور الثقافي المكثف والمنتج للثقافة خارج الارتزاق، والعصامي والدؤوب في البحث عن الحقيقة والسمو على الواقع المشوه الذي لا يتناسب مع طموحاته، من المؤثرين كذات مبدعة في العمليات الفكرية والاجتماعية التي لابد أن تتطور ضمن المفهوم العام للتطور الديناميكي، وبهذا فان تأثيره لابد أن يكون إيجابيا، مما يدفعه أن يعمل على تصحيح الظروف التي تساهم في تشكيل عدمية الفكر والثقافة أو اغتراب المثقف (في فترة ما). بالرغم من أن الاغتراب مرتبط تاريخيا وفلسفيا بنشوء قلق المجتمع والذات مع وجود أسباب أخرى لتعميمه. وبالتأكيد فان هذا الدور الإيجابي يشمل المثقف الستيني المنتج للثقافة وكذلك مثقفو الأجيال الأخرى من غير المثقفين المتكيفين.

  وبالتأكيد فان هذه الظواهر لابد أن يكون لها تمهيدها التاريخي كما أشرنا. لذلك فأن عملية تكيف الشعب العراقي بدا ت منذ ستينات القرن العشرين وخضعت لوسائل ودراسات استراتيجية وسيكولوجية على الرأي العام مدفوعة الثمن قامت بها مؤسسات عالمية وخاصة مؤسسات بعض الدول الاشتراكية السابقة التي كانت  مهمتها المساعدة في تثبيت النظام العراقي وفرض سياسته على الشعب من خلال تدجينه خدمة لاستثماراتها.

 ولتحقيق هذا وضع النظام السابق في حساباته منذ مجيئه، شتى المغريات لتدجين المثقف العراقي المتمرد من جيل الستينات وتحويله إلى مثقف متكيف، لأن النظام آنذاك كان يفتقر إلى المثقفين عموما لذلك بدأ بشرائهم. إلا أن المثقفين كانوا يتوجسون منه، فانقلاب شباط البعثي الدموي عام 1963 مازال في الذاكرة، ومازالت دماء الكثير من الأبرياء والبريئات الذين ماتوا تحت التعذيب طرية، وكانت هذه مشكلة كبرى أمام النظام أذاك.

ولهذه الأسباب وغيرها لم يستطع النظام كسب الكوادر الثقافية البارزة فعمد إلى سياسة العنف والعزل بجانب الأغراء للوصول إلى هدفه. ونتيجة لحساسية المثقف الستيني الفكرية والسياسية المبكرة وقف منذ البداية، ضد جميع أنواع الوصاية الفوقية سواء الاجتماعية منها أو الفكرية أو السياسية، وكذلك وقف ضد تقنين الإبداع في أطر قد لا تتناسب مع تمرده الواعي وطموحه الإبداعي. ولهذا السبب فانه يعتبر جيلا متمردا وقف ضد التكيف الإبداعي أو التكيف مع برامج السلطة الاستثنائية واعتبره خيانة وخداع للذات الحقيقية، وخاصة عندما تحتم هذه السياسة الثقافية تفضيل النظرة القومية ـ الشوفينية الضيقة على الرؤيا الإنسانية الشمولية، وتحويل قدرة الوعي والتوجه الفكري، من التعمق ودراسة المشاكل الفكرية والاجتماعية والذاتية الجوهرية إلى تمثل المفاهيم التي تشيئ الإنسان وفكره وتشوه الذات، فيتحول المثقف من ذاتي مبدع ومتفرد إلى كائن أناني متكيف وغارق في الروح الارتزاقية البائسة، فيصبح المثقف آلة في الهرم الذي يقف في قمته العقل الدكتاتوري ـ الفاشي الذي يلغي التفرد، ويفرض الانتماء إلى الجماعة التي تحرص، ثقافة الحزب الواحد والنظام الشمولي، أن تجعلها  قطيعا يردد  فقط تلك المفاهيم والأهداف والشعارات التي تمجد الدكتاتورية والعنف والحرب، وتشجع الانغمار في الأوهام التاريخية.

  ولهذا فان مشروعية تمرد جيل الستينات الثقافي حتم رفض التكيف مع النظام معتمدا على تماسك الذات وبنائها خارج الارتزاق الفكري من أجل الانغمار في المستحيل الإبداعي والحصانة الداخلية التي يكتسبها من خلال استيعاب المعارف الجديدة، والحساسية الذاتية المتفردة لرؤية الواقع على حقيقته ومن ثم رفضه. إن هوس الاطلاع على المعرفة بشموليتها هي محاولة للوصول بالإبداع إلى أقصى درجات أبعاده الحرة، والجرأة في الكشف عن المسكوت عنه والانغمار في الحرام والممنوع الذي يشكل خطورة على الثقافة العربية الرسمية  ونفورا من المثقفين المحافظين.

  وقد عمد المثقف الستيني إلى رفض كل ما هو سلفي في المجتمع، أما في الجانب الثقافي فابتعد عن ضيق الأفق الإبداعي لأجل التجاوز المستقبلي والطموح العنيد لخلق ثقافة ورؤى لا تمت إلى الماضي بأية علاقة، بل تعتمد على أكثر المفاهيم والنظريات الثقافية والفلسفات المعاصرة المتناقضة كالماركسية والوجودية والعبثية والسريالية وتيارات الفكر الحداثي الإبداعي التي خلقت آفاق جديدة للحداثة في أدب وثقافة الجيل الستيني (ومن بعده الأجيال الأخرى) الذي كان يتباهى بأنه جيل عاق لتراثه الثقافي العربي الكلاسيكي السلفي. وفي خضم العداء الذي يشيعه السياسي الاستثنائي وبمعيته مثقفه المتكيف المرتزق وكذلك محاربته من جميع الأحزاب السياسية الأخرى وتحجيم آفاق التفكير الحرة، كان جيل الستينات يبحث عن فردوسه المفقود خارج تلك الأبخرة الموبوءة. وبالرغم من أن مثقفي الستينات كانوا قد تميزوا بالحس الشعري للعبث مما أضفى على سلوكهم وإبداعهم سمة التشاؤم كميزة للتمرد الواعي (بتأثير المدرسة الفرنسية ورموزها المبدعة مثل رامبو، فرلين، لوتريامون، الفرد دي فيني، سارتر والسرياليين) مما دفعهم إلى حمل صليب الذات المعرفية، وانعكس هذا في إبداعهم المبني على القلق الداخلي المبكر والذي هو قلق الإبداع المتفرد مما سيؤثر على مستقبل الثقافة العراقية.

لذلك  فقد تشكل وعي وثقافة، جيل الستينات(إضافة إلى كل ما سبق) من مؤثرات كثيرة أهمها:

الثورة الثقافية التي عمت أوربا في ستينات القرن الماضي واتسمت بالتمرد على كل شئ.

ترجمات الأدب والثقافة الأوربية المعاصرة وخاصة الفكر الوجودي والفن الطليعي وقصيدة النثر الحرة.

الرغبة في التمرد على النظرة السلفية  للثقافة العربية والتزام يسار الفكر الثوري من اجل تغير الواقع العربي كرد فعل  للهزائم والانتكاسات التي عانى منها الإنسان العربي بسبب الأنظمة السياسية. لذلك فان الكثير منهم التزم  يسار الماركسية كالتجربة الجيفارية والماوية.

الطموح السريالي لخلق ثورة أدبية حرة وثقافة جديدة تقطع الصلة بالماضي والتراث العربي، ويعود هذا بالتأكيد إلى روح التمرد والعبث الذي تميز به الجيل الستيني في تلك المرحلة سلوكا وثقافة.

الفلسفة الماركسية من جانب والتزام الفكر القومي من جانب آخر.

  إن الوعي السياسي للإنسان العراقي واتساع الرؤية الإبداعية المتوهجة للمثقف المتمرد المنحوتة ليس فقط من التجارب النضالية والفكرية المحلية والعربية وخاصة اتجاهات التراث العربي التقدمي والتصوفي ـ الإسلامي، وإنما استشراف التجارب الفكرية العالمية ومحاولة تطبيقها على الواقع العراقي، خلقت  لدى المثقف اتساع الرؤية وصلابة الموقف.

  ولكن في بلد مثل العراق تكون القاعدة فيه استثناء، إذ المفارقة تكمن في إلغاء القاعدة وتعميم الاستثناء. لذلك   (عندما تتحول الأكذوبة إلى نظام شامل، لن يكون هنالك سوى الأشباح) ويقين الشاعر فاضل العزاوي هذا فيه الكثير من الدقة، فهو تشخيص دقيق للمرحلة التي فرضت فيها الحزب القائد وامتدت إلى جميع جوانب الحياة السياسية والمؤسسات الفكرية العراقية، وتعميم الحياة العسكرتارية والسلوك المخابراتي في شتى مجالات العمل والحياة وجعلها ظاهرة طبيعية، ومحاولة إزالة الكره السايكولوجي التاريخي بين المواطن العراقي ورجل الأمن (فجندت لها تمثيليات تلفزيونية مثل بعض تمثيليات يوسف العاني التلفزيونية التي كانت تتملق السلطة ومقالات ودراسات خاصة فرضتها صحافة النظام ومسرحيات وقصص وروايات كثيرة تصب في هذا المنحى) فانبثقت  مهمة ضابط أمن الدائرة كوظيفة مقبولة في مؤسسات النظام العراقي عموما وخاصة في المؤسسات الثقافية في جميع محافظات العراق. ففرضت شمولية النظام وأدت إلى تخريب الوعي بأساليب العنف، لتهيئة المجتمع العراقي لمرحلة تخريبية اكبر، اعني الحروب التدميرية اللامجدية (الحرب الداخلية ضد الشعب العراقي والحرب ضد إيران والكويت) التي لم يألفها الشعب العراقي، لكنها بالتدريج أصبحت جزءا من يومياته (حيث قام النظام بشتى الوسائل والمغريات لتدجين الشعب العراقي حتى يقبل الحرب كقدر لا مفر منه). وسيؤثر هذا على مستقبله عندما يصبح مصيره في كفتي الميزان حيث يدخل ضمن مخططات ومراهنات النظام وطموحاته االتوسعية وعقده العسكرية، وضمن خطط المافيا الدولية ليصبح جسرا للعبور إلى الأهداف الستراتيجية للرأسمال العالمي في منطقة الشرق الأوسط. في ذلك الوقت كانت المعارضة العراقية غارقة في حسابات أخرى، في كيفية الحصول على المكاسب الآنية اللامجدية التي سيتفضل بها النظام حسب مقتضيات مصلحته وليس مصلحة الشعب أو الحياة السياسية لأنه سرعان ما سيلغيها متى يشاء.

  وننُفذ كل شئ بانسيابية ومباركة من كافة الفصائل الرئيسية للشعب، الذي كان يلاقي كل التحولات السياسية بلا  اهتمام لكثرة الشعارات والخدع التي مورست لاستغلاله في العهود السابقة (بالرغم من قيام الشعب بمقاومة  عنيفة ضد النظام في زمن لاحق) فبرزت من جديد تلك المقولات والحكم البالية وأصبحت هي التي تنير موقف العراقي مثل (الذي  يتزوج أمنا يصبح عمنا) أو (لا يهمك، إمشي بجانب الحائط). أو (الأمر لا يهمني) وغيرها الكثير (التي تحتاج إلى دراسة معاصرة من قبل المختصين وعلماء الاجتماع  لكونها انعكاس للواقع النفسي والساسيولوجي في المجتمع العراقي). وهذه المقولات التخديرية جلبت الويلات ودفعت بالشعب العراقي إلى التزام اللامبالاة، فغط في نومة الفجر الهنية على السطوح (العراقيون ينامون فوق السطوح في ليالي الصيف) يحلم بشربة ماء بارد، والطموح في الحصول على كارتون من البيض أو معجون الطماطم. في ذلك الوقت لم يكلف أحد نفسه من المعارضة أو المثقفين الآخرين إيقاظ النائم من هذا الحلم ألهني، والذين حاولوا لم يسمعهم أحد بسبب الخوف من كاتم الصوت من جانب والمغريات التي بذلها النظام بسبب الموارد الهائلة التي حصل عليها من تأميم النفط من جانب آخر (قدر احتياطي العراق قبل الحرب مع إيران بـ 100 مليا رد دولار) وسيعمد النظام إلى نهب أرزاق ومدخرات العراقيين وإجبارهم على التبرع ذهبا لأجل استمرار حرب القادسية واحتلال الكويت. إذن ما هي الظاهرة الجديدة التي حكمت المجتمع العراقي؟.

 

            دمقراطية أم تبعيث الثقافة

   وضع النظام البعثي الشمولي وسياسة الحزب القائد والحاكم الأوحد (بعد استلام السلطة في انقلاب 1968)     الثقافة العراقية في مفترق طرق، حيث تصارع تياران في سياسة الحزب آنذاك هما: ديمقراطية الثقافة أم تبعيث الثقافة؟. وبلا أية مسؤولية تاريخية انتصر التيار الثاني، فحتم تغيرا جذريا في الحياة السياسية والثقافية حيث تكثف التمايز بين العراقيين في الوظيفة، والامتيازات، والمستقبل والمصائر وحتى سبل الموت. وتركزت أيضا فكرة العراقي النموذجي (البعثي المتكيف) والعراقي غير النموذجي (غير المتكيف)الذي يجب أن يعاقب ويحرم من عراقيته أو زوجته الأجنبية أو ملكيته في بغداد (إذ كان في المنفى أو يسكن المحافظات). وتم التمايز أيضا في المؤسسات التعليمية وخاصة في شروط القبول في الجامعات العلمية والفنية (معهد وأكاديمية الفنون الجميلة وغيرها) حيث كان الشرط الحاسم في القبول هو الانتماء السياسي للحزب الحاكم والتكيف مع النظام وليس المؤهلات الفنية (وبخلاف الكليات الأخرى فان هذا المجال لا يمكن أن يستقيم إلا من خلال القدرات الإبداعية). وقد أدى هذا إلى أن يحكم الاستثناء القاعدة. فامتلأت الأكاديمية ومعهد الفنون الجميلة بالجهلة وطلبة المعدلات الضعيفة الذين رفضوا من الكليات الأخرى، إضافة إلى رغبة الكثير منهم كانت للدراسة في اختصاصات أخرى غير الفن. وأرسلت دوائر الأمن والمخابرات عناصرها للدراسة الفنية والإعلامية من الذين ترغب هذه الأجهزة باستخدامهم في شتى المؤسسات الإعلامية كالإذاعة والتلفزيون والفنية… كالمسارح والنشاطات الأخرى..الخ وتعرض الطلبة إلى حملات المضايقة والتحقيق في غرف خاصة.وبدأت حملات متقنة لطرد المثقفين غير البعثيين من المؤسسات الثقافية والإعلامية والفنية وملاحقتهم (وكان يقود هذه الحملة طارق عزيز ومحمد سعيد الصحاف). ونكاية بالشباب عموما ومن أجل ترويضهم وتدجينهم بلا استثناء، اتبع النظام في البداية أساليب ووسائل تدجينية لا تثير الرأي العام بل تكسبه إلى جانبها (من منطلق المفهوم العشائري والأبوي الذي يعاقب الشباب غير المتكيفين في مؤسساته أو مع العرف العام، لمنع الفتيات من ارتداء الملابس الملونة مثلا أو إطلاق الشباب لشعورهم ـ بالرغم من أن العرب في أزمنة قديمة كانوا يطلقون اللحى والشعور ـ وسيتطور هذا العقاب العلني إلى قطع الآذان أو الأنوف أو الأيدي وسمل العيون..الخ، ومورس هذا حتى اللحظات الأخيرة قبل سقوط النظام). وأصبح في مقدور أي شرطي أمن أو مسلكي سحل المثقف أو الفنان أو أي عراقي من شعر رأسه بلا سبب فقط لان هيئة هذا الكائن لا تعجبه. وبدأت حملات جز الشعر الطويل وصبغ أقدام الفتيات لإثارة الخوف والرعب بين الشباب، وكوسيلة لاقتناص الجميلات منهن باعتبارهن مسبيات ومباحات لأصحاب الدماء الباردة والضحك الغليظ من أبناء وأعوان وعشيرة رأس النظام وأزلام السلطة.إضافة إلى تجريب شتى مختبرات التدجين الأخرى بدأً من فرض العقوبات والاتاوات على المارة أثناء عبورهم الشوارع خطأ (غير المنظمة أصلا)، إلى المنح المالية وتوزيع السيارت والأراضي والبيوت على المرتزقة من المثقفين الكتبة والإعلاميين العراقيين والعرب أو الأجانب وتمويل صحف ومجلات مرتزقة، وانتهاء بهدر أرواح العراقيين، وإذابة أجسادهم بالتيزاب أو في المقابر الجماعية أو على يد أبي طبر.

  وتمت المهزلة عندما انعكس الرعب الشارع العراقي اليومي على حياة الناس بفضل حفلات القتل التي كانت تمارس ليلا  في بغداد وبعض المحافظات، والتي نفذها ما أطلق عليه آنذاك (أبو طبر) ذلك القاتل الوهمي الذي غزا بغداد فجأة حد العبث بجثث الضحايا من العوائل الآمنة المعروفة وممارسة ابشع طرق القتل المستوحى من أفلام المافيا(حيث كان يقتل ضحيته بالفأس)، ففي إحداها وضع راس الضحية في مزهرية، وفي الأخرى وضع في ثلاجة لإثارة الكثير من الرعب، إضافة إلى أن القاتل كان لديه الوقت الكافي لاستخدام ثلاجة الضحية، يأكل ويشرب الخمر باسترخاء وقد  يقضى ليلته حتى الصباح هناك. ولم تنم بغداد ليال عديدة، حيث يتجمع سكانها ليلا أمام البيوت يشربون الشاي والقهوة وجميع غرف البيت مضاءة خوفا من النوم الذي يقلقه القاتل السري (ابو طبر). وكانت الإذاعة والتلفزيون تزيد من رعب الناس من خلال إطلاق الإشاعات وإصدار البيانات والتعليمات في كيفية مواجهة القدرة الخارقة والإمكانيات السوبرمانية للقاتل في فتح الأبواب وتنوع طرقه في ممارسة جرائمه مما يحبك التمثيلية المخطط لها.

  وفي الوقت الذي (أرعب ابو طبر) الشارع العراقي واقلق نوم العراقيين البهي فوق السطوح. فان المصارع عدنان القيسي ساهم في اللعبة المركبة بعد أن جلبوه بعقود مغرية من أمريكا حيث كان يعيش فيها كمهاجر، ليصرع  جميع "شقاوات" المصارعة الأمريكان والأوربيين. فأوهموا الناس ببطولة كاذبة ينتصر فيها عدنان القيسي على المصارعين المستوردين باتفاقيات خاصة أيضا. لذلك فان الشارع العراقي كان مشغولا ببطله من خلال متابعة مبارياته الحية أو مشاهدتها في التلفزيون نهارا وليلا وفي كل مكان، في الشوارع والمقاهي والبيوت داعين الله بالانتصار له والخروج بمظاهرات مؤيدة يقودها رجال المخابرات حتى حلبة المصارعة،  وتخاصم بعضهم بعد المراهنة على نتيجة انتصاره ووصل الأمر إلى القتل.

  آنذاك قلما ترى بشرا في الشارع ساعة المباراة، فاصبح عدنان القيسي محقق أحلام الشعب في البطولة الوهمية والانتصار على أبطال مزيفين، واصبح كذلك أمل النظام في  تخدير الناس وإبعادهم عن التفكير بمخططاته والتصفيات الجسدية للأعداء السياسيين التي كانت تنفذ كل يوم في عموم العراق ومؤامراته العربية واتفاقاته السرية لنهب ثروات العراق، وفي ذلك الزمن كان دجلة والفرات يعوفان جثث مشوهة لأعضاء من حزب الدعوة أو الشيوعي أو الأحزاب الأخرى أو من الشيعة عموما. وفجأة ظهر أبو طبر مبتسما في التلفزيون للاعتراف بجرائمه بطريقة سخر فيها من العراقيين. واختفى عدنان القيسي فجأة كما انبثق بعد أن تقاسم مع شركاءه أموال العراقيين فلم يذكره أحد حتى الساعة. وسيكون الهول اعظم في مستقبل الأيام.

 

سرقة الزمن الإبداعي

  وفي لحظة التأمل اكتشف العراقيون بأنهم كانوا مختبرا لدراسة ردود أفعالهم السايكولوجية ازاء ما سيحدث من حروب وخراب منظم مستقبلا. وكرد فعل لكل ما كان يحدث انتمى الكثير من المثقفين الستينيين أو أعادوا ارتباطهم الحزبي من جديد مع الأحزاب اليسارية التي كانت تمارس حياتها خارج السلطة. لقد سرق النظام العراقي زمن العراقيين وبالذات الزمن الإبداعي للجيل الستيني والأجيال اللاحقة. أما المعارضة السياسية عموما فقد تخلت عن المثقف الستيني في زمن كان فيه مجال لرفض السياسة الثقافية قبل أن تنغلق الدائرة، وبهذا فانه وضع أمام المثقف خياريين: إما قبول الهزيمة السياسية والإبداعية وتعميق الشعور بفقدان الكينونة الثقافية  والقبول بالواقع السياسي والثقافي الراهن، الذي تتحكم فيه السياسة الثقافية البعثية.أو اختيار المنفى والتشرد كهروب وحلا موقتا.

  إن المثقف الستيني وعى مأساته المستقبلية فلم ير أمامه سوى اللجوء التراجيدي للمنافي. لأنه شعر بان هذه الحياة ستنتهي بكارثة مخيفة عندما هجس الخراب الذي سيعم العراق الذبيح في المستقبل الذي خططت له الدكتاتوريةـ الفاشية، ولم  تعطي المعارضة لجيل الستينات شيئا سوى وسادة الحذر. جيل متمرد حاولوا إلغاء  دوره التاريخي فاصبح محكوما بالمنفى الأبدي، جيل رفض مثقفوه الفردوس المدنس من اجل تمرده الإبداعي. جيل فرض على مثقفيه الهروب نحو وهم قد يبدو منطقيا، نحو الضفاف الأخرى من العالم،من اجل تماسك الذات. فالعراقيون عموما اعتبروا منفاهم إنقاذا مؤقتا لهم من المحرقة الجماعية، لكن المنفى بدا وكأنه أبديا في روح أجيال كاملة سرق منها زمنها الإبداعي أيضا، تلك الجوهرة اللازوردية التي لن تعوض، ولكن بعد سقوط النظام لابد للتمرد الثقافي أن يظهر بأشكال جديدة ضمن الثقافة المستقبلية الحرة، وهذا ضروري أيضا، لان هذا  الأمر هو الذي يمكن أن يحول الثقافة من الآديولوجيا الحزبية أو الطائفية الضيقة إلى ثقافة عراقية.

 

رابعا : الدكتاتورية  وسيكولوجية  المثقف  المتكيف

 

     فمن أجل معرفة التطور الذي طرأ على المثقف المتكيف مع نظام سيده الدكتاتور علينا معالجة السؤال التالي: أين يكمن مأزق المثقف العربي أو العراقي بشكل عام؟ وهل نحن الذين زرعنا الجيفة في حدائقنا  الفارهة منذ زمن بعيد؟

 

   يحيلنا هذا السؤال إلى الدقة في تفسير دور المثقف الذي يشكل حتمية تفرضها المسؤولية الذاتية والاجتماعية  ( فكل خطأ في تفسير دور المثقف يؤدي إلى خطأ في تفسير دور الثقافة). وعندما يكون هنالك التباس، يبدأ الغموض، وهذا هو الذي يفرض تحديد دور المثقف التاريخي والحياتي وتأثيره في عمليات التغيير الاجتماعي. إذن ما هي الظروف التي تساهم سلبا في التطور الفكري والسياسي للمثقف المتكيف؟.

ينشأ التكيّف ويصبح جزءا من عمليات التخريب الاجتماعي والثقافي كما أشرنا في مرحلة البناء للتاريخ الاستثنائي السلبي فقط، أي عندما يكون هنالك خواء فكري يميز فعاليات الإنسان الحياتية والفكرية، وسكونية  في التطور الاجتماعي، واعني مرحلة التطور السلبي الذي يكون فيه الإنسان بشكل عام والمثقف المتفاعل  بالذات غريبا عن واقعه ومجتمعه وخاصة عندما تتوفر الشروط الاستثنائية التي لا تسمح له بممارسة دوره التاريخي الحقيقي كما في المجتمع الديمقراطي، وفي مثل هذه الظروف يخون المثقف ذاته ويقوم بتحويل قدرة الوعي والعقل الشموليتان إلى أنانية ضيقة، وهذه تحوله إلى مشروع للتكيف مع سياسة السلطة الدكتاتورية فيفقد حصانته الداخلية المتفاعلة ليتحول إلى مثقف متكيف يحفر الخواء في روحه وروح أمته. وهذا يهيئه إلى أن   يصبح داعية لبرنامج القائد (الذي يهيئ المجتمع إلى حروبه الشخصية التي تخلق تكامله كدكتاتور) وتكون مهمة المثقف هنا، إضافة إلى ما ذكر، هي استغلال ثقافته لتنمية غرائز العنف المتوحشة في روح الإنسان في المجتمع حتى تحتل الأولوية في سلوكه، فتتحول إلى ظاهرة طبيعية في مجتمعات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية.

ويسبغ هذا المثقف على مثله السياسي الأعلى (الأب، الدكتاتور، الطاغية، القائد) صفات الرسل والقديسين. من هذا المنطلق فان المثقف المتكيف هو صاحب الوعي البربري المزيف والبائس، يبني ذاته هامشيا، انه المتساهل المحصّن دائما بالتبرير الجاهز، انه توريط الذات المثقفة في الالتزام بالوعي المشوه.

  لذا فإن المثقف المتكيف جزء لا ينفصل عن النظام الدكتاتوري الشمولي المتسلط مما يجعله هذا أن يكون مساهما دائما في تزييف حقائق الواقع المعاصر والحقائق التاريخية، فيصل إلى مرحلة الاتكالية الفكرية،  ويصبح المثقف الابن المدلل، يمنحه الدكتاتور المكرمات والهبات، ولكن في ذات الوقت يحرمه الحق في التفكير واتخاذ القرارات الفكرية الخاصة لان القائد ـ الدكتاتور هو الذي يفكر ويخطط بدلا عنه وعن الأمة. فيتحول  المثقف إلى منفذ فقط في الوقت الذي تشتدد حساسيته الخاصة إزاء التغير السياسي المستقبلي، ولا يتوانى من  التكيف مع التغيير الجديد ومتطلبات الظرف السياسي القادم من خلال خداع الرأي العام من جديد.

 والميزة الأخرى التي تميز المثقف المتكيف هي تطور وعيه سلبيا مع برامج النظام كما حدث في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، حيث فرضت التحولات السياسية والاجتماعية التي حدثت في العالم بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وانتصار شراسة الرأسمال العالمي، تكثيف العنف كوسيلة للاحتراب بين الدول،  أو بين الأنظمة الدكتاتورية وشعوبها وخاصة في بلدان العالم غير الأوربي، وقد خلق هذا تطورا في مفاهيم وممارسات الدكتاتورية والأنظمة الشمولية فأصبحت أكثر شراسة من اجل أن تحافظ على مصالحها ووجودها، واستخدمت العنف بأبشع أشكاله كلغة وحيدة ضد شعوبها،فتعاملت معها وكأنها شعوب محتلة، واتسمت هذه الدكتاتوريات ببعض السمات التي حولتها إلى أنظمة فاشية كما حدث في بعض بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية، وفي المنطقة العربية تجلى هذا واضحا في العراق في الحرب الداخلية ضد الشعب أولا، ومن ثم ضد إيران، أو في سياسته العدوانية وطموحاته التوسعية في استغلال ونهب خيرات الشعوب كغزوه للكويت التي كانت من خلال  ديمقراطيتها ومشاركة شعبها في ثرواتها الطبيعية قادرة على أن تبني نظام ديمقراطي برلماني حر ومؤثر في بلده والجيران، لذا فانه في ذات الوقت يشكل استفزازا للنظام العراقي.

وهذا التحول الجديد في بنية الدكتاتورية يحتاج إلى تغير في المفاهيم والبرامج الثقافية، ويتطلب من المثقف موقفا وفهما جديدا اكثر من تكيفه في المرحلة السابقة. فالمرحلة الجديدة بالنسبة لتطور الدكتاتورية تحتاج إلى ذلك المثقف الذي يغذي ويشيع هيكلة وأساليب الفاشية التي سيتبناها النظام، فليس كافيا أن يكون مثقفا متكيفا مع  برامجه الثقافية  فقط، وإنما  يطالبه النظام أن يساهم في المتغيرات المنهجية الجديدة في سياسته وان يكون محركها الفكري، وهذا يفرض على المثقف أن يلتزم المفهوم الفاشي في الثقافة روحا وممارسة تخدعه حجج مختلفة مغلفة بدوافع ديمقراطية زائفة. فيتم التمسك بها كأسلوب للتدجين سيباركه النظام الاستثنائي وسيبرره  المثقف المتكيف إعلاميا. وبالتأكيد سيتحول هذا المثقف إلى مفكر فاشي مادام يتبنى تلك السياسة التي تشوه الفكر والثقافة الإنسانيتين وتحول الوطن إلى ثكنة للحروب اللامجدية ومعسكر اعتقال لعموم الشعب بما فيهم الأطفال  الذين يتم تدريبهم على الروح الإرهابية والحقد منذ نعومتهم، تحقيقا لأحلام القائد التوسعية.

 

سايكولوجية  المثقف 

  وسيبذل السياسي كثيرا من الأموال والمكافآت وأنواط الشجاعة!! لتغذية هذا المثقف ناشر الأبخرة الموبوءة، فيمنحه الحيلة والقدرة والقوة ومنديل الأمان ليساعده على تعميم منهجه الفكري ـ الارتزاقي وإشاعة التشئ والنظرة الأحادية الضيقة في الحياة والفكر، من خلال إلغاء المقدسات الفكرية (الدفاع عن الحرية الفكرية والاجتماعية والإبداعية) فينجح النظام السياسي والمثقف المتكيف في لملمة مجاميع من المثقفين المرتزقة الذين سيباركون المرحلة الجديدة التي لا تستغني عن العنف بالمفهوم الفاشي والحروب الداخلية والخارجية. ومن أجل أن يتم إحكام الحلقة المفرغة يبدأ هذا المثقف عملية البحث في تاريخ الثقافة البربرية القديمة لاكتشاف ذلك الفكر الذي  يعظم ويؤله الزمن الاستثنائي لطاغية مشابه إلى الطاغية  ـ الدكتاتور ونظامه الفاشي المعاصر.

إن هذا المثقف المتكيف المدجن لا يكتفي بتبرير السياسة الفاشية لنظامه وإنما سيساهم في قمع انتفاضة شعبه  ضد النظام التسلطي من اجل العدالة والخبز والديمقراطية وطفولة وشباب آمن بدل زجهم في معسكرات الحروب،( كبلاء بعض المثقفون البعثيون في المساهمة في قمع الانتفاضة الشعبية ضد النظام الصدامي). وتتركز مهمة المثقف في زمن السلم والحرب، في التنظير للأفكار الجديدة وفي صياغة النظرية أو المنهج الارتزاقي لتصبح جزءا من الممارسة الفكرية، ويؤشر تسهيل الطريق أمام الآخرين للتكيف من أجل الحصول على المكاسب مادام مثله الأعلى (السياسي الاستثنائي) قد سرق السلطة والقوة بهذا التسلق الديماغوجي الملتوي السهل بعيدا عن الشرعية. وسيعمد الدكتاتور السياسي مستقبلا بمعية مثقفه المتكيف، إلى سرقة زمن المثقف المتفاعل غير المتكيف والزمن الإبداعي لعامة الناس والأمة، فيكون الخواء هو التاريخ الذي يفرض نفسه، وتقود الجهالة الخراب والسكون الحضاري.

 

سلطة المثقف المتفاعل

   سيكون ديالكتيك الثقافة العربية وتأثيرها الديناميكي هامشيا ما لم يأخذ بالاعتبار أهمية الدور التاريخي للمثقف المتفاعل غير المتكيف، ومهماته الإبداعية خارج منطق التكيّف بمفهومه الذاتي والسياسي والاجتماعي كما أشرنا سابقا. ومن اجل الوصول إلى الوعي الخلاق لتطوير ذات المثقف المتفاعل وعدم السقوط في شيزوفرينيا الذات والوعي(حسب افهومة كيركغارد الفلسفية أيضا)، عليه أن يعتمد على تماسك ذاته وصلابتها وبنائها، أي اختيار ذاته من جديد للمساهمة في خلق البناء الاجتماعي والحضاري، مادام المثقف الآن تخلى عن دوره التاريخي في الصراع الفكري والبناء، بعد أن اصبح مروجا لأفكار وبرامج سياسية. و يفرض هذا أهمية المثقف المتفاعل، صاحب العقل الديناميكي والمعارف المتطورة، وهذه كلها تشكل سلطة المثقف المتفاعل. فلا يكون للتطورات العظيمة التي حدثت في عالمنا في السنوات الأخيرة أية أهمية ما لم تفرض تحققا مطلقا للديمقراطية مما يحتم ملامسة حساسية المثقف المتفاعل لما يحدث في الحاضر الآني، في وقت يخضع التكيف(والمثقف المتكيف) الثقافة والفكر والكتابة الإبداعية للزيف الذي يعزز عالما بوليسيا. من هنا تأتي صعوبة الأزمنة التي يمر بها المثقف المبدع والمتفاعل الآن. وما رفضه لزيف الواقع الاستثنائي في أزمنة الدكتاتورية، إلا تأكيدا  لانسجام وعيه الفكري والفني. وهو يُعد موقفا ومشروعا حياتيا وتاريخيا.

إذن هكذا مثقف يؤثر إيجابيا كذات مبدعة في العمليات الفكرية والاجتماعية عند توافر الظروف الطبيعية التي أشرنا لها، وهذه الإيجابية هي التي تمنع عدمية الفكر والثقافة أو اغتراب المثقف (في فترة ما). بالرغم من ان الاغتراب مرتبط تاريخيا وفلسفيا بالإنسان منذ نشوء قلق المجتمع والذات.

  بالتأكيد أن تكيف وتذبذب وخيانة المثقف لذاته تحتاج إلى دراسات ومناقشات طويلة تفتح الطريق أمام سبل تعميق الموقف الفكري للمثقف المتفاعل في المستقبل وبالذات في العراق الحر، وخاصة عندما كانت كل الأبواب مشرعة والطرق مفتوحة من قبل النظام السابق أمام المثقف المتكيف والمرتزق صاحب الحظوة. لذلك فمن غير المنطقي النظر إلى ممارسات هذا المثقف المتكيف وخيانته لذاته على اعتبارها سلوكا مؤقتا، سينتهي عندما   ينتقل من ساحة رقصه في العرس مع بنات آوى إلى المنفى، هذا الرقص الذي أهلّه لتبوء مناصب كثيرة سواء في المسرح أو الفن أو في المؤسسات الثقافية الأخرى للمساهمة في تثبيت ثقافة النظام الشمولي من اجل إشعال  محرقة الوطن أو بالعكس عندما ينتقل هذا المثقف الآن من المنفى الأوربي إلى الوطن مما يحتم عليه أن يخرج  قناعه الجديد الذي أخفاه تحت إبطه طوال سنين المنفى فيلونه ليتم قبوله على حساب الذين عانوا الويلات وتشردوا في المنافي نصف عمرهم. إن النظر إلى هذا الأمر يجب ألا يكون بهذه السهولة لان جوهر موقف المثقف وتحولاته تكمن في الجذور العميقة لتكيفه مع النظام، وتكمن أيضا في صميم الجوهر السيكولوجي ـ الاجتماعي له كإنسان ومثقف. وعلى هذا الأساس يجب أن يتجوهر الفهم الحقيقي لموقفه وطبيعة دوره في التغير الثقافي والاجتماعي ـ السياسي المستقبلي. فالمثقف بحكم العادة سيضيف إلى أمراضه وانتهازيته والوسائل الموبوءة الأخرى التي تعلمها من معايشته وتكيفه مع النظام أولا، ومن ثم ينقلها من جديد إلى الوطن بعد عودته وبعد أن غذاها وأضاف عليها الكثير من الحيل الانتهازية في المنفى. لهذا فان مفهوم المنفى لدى المثقف الذي رفض النظام منذ البداية وكذلك المثقف الذي كان متكيفا مع النظام واضطر إلى قبول المنفى بعد الحصار الاقتصادي (وقبل سقوط النظام)، وبعد أن كف النظام السابق من إغداق الهبات عليه فلا يعد المنفى بالنسبة له موقفا سياسيا من النظام، لان مثل هذا المثقف كان المفروض عليه التفكير بالمنفى ليس من زاوية الربح والخسارة وإنما باعتباره مكان وزمان: تطهيري وفسحة هادئة للغور في أعماق الذات ومحاكمتها  بعيدا عن الاستلاب الذي كان مجبرا عليه في وطنه،وألا يتحول إلى قربة لإشباع غريزة المال فقط، مما يؤهله أن يكون فاعلا في التغيير الجديد الآن. إذن المهم في التغير العراقي الآن هو الالتزام بالثقافة العراقية الحرة والديمقراطية  بعيدا عن الإيديولوجيا الحزبية والطائفية والمصالح الضيقة. وأن يتخلى المثقف العراقي، وهذا هو المهم، عن  السلوك الأناني والتذبذب الذي أدى إلى خيانته لذاته وخواء روحه و يفرض  عليه أيضا التخلي عن الروح العدائية للآخر والثقافة الأخرى والدين الآخر.

  فإذا كان اختيار المنفى بمثل هذا الوعي التطهيري كما في الفرضية السابقة فانه يحتم استقلالية المثقف في تفكيره وقراراته، ورفض تبعيته للسياسي الاستثنائي من خلال التكيف الذي اجبر عليه في الوطن أبان النظام الساقط. إن الثقافة الحرة والمتفاعلة والمؤثرة في التغيير الديناميكي في العراق المستقبلي الجديد ضرورية حتى نتبرأ من تقديس اخطر وظيفة عرفتها البشرية سواء كان هذا في السياسة أم الثقافة وأعني وظيفة الحزب والإيديولوجيا التي يؤسسهما الدكتاتور الفاشي صاحب العين الصفراء النزقة والمارقة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*د.فاضل سوداني: مخرج وباحث مسرحي عراقي، يقيم في كوبنهاكن. fasoudani@maktoob.com 

 

التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي سعدون

العنوان البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain
.

الهواتف
(34)  696 62 96 12
(34)  630 28 63 33

البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com

 

 

التالي | أرشيف المجلة  | السابق