|
المستحيل في الأدب العراقي
متابعة
نقدية في معالم استنباتات النص العراقي الجديد
عبداللطيف الحرز
1ـ بؤس النص الواقع:
في الأعوام بين125 و 130 توفي الواعظ الكبير
(ابقتاتوس) صاحب اصدق نصوص على الإطلاق في ذلك العهد من
التاريخ البشري. كان ابقتاتوس سيداً في النص لكنه كان عبداً في
الواقع الروماني آنذاك، وفيما كان الجلاد يبتر ساقه، كان كل
دوره هو أن يقول:"حذار، فلسوف تكسرها".
وبالفعل انكسرت الساق، لكن ساق
من التي انكسرت.. ساق ابقتاتوس ـ النص، أم ابقتاتوس الواقع؟!.
جدل السؤال يفضي بنا إلى مأزق مفارقات الإجابة:
فان كان ابقتاتوس صادقاً فضريبته كسر ساقه الحقيقية، وان كان
النص يحمل نفاقه الداخلي، ككل نص قائم على المواربة، فان الذي
انكسر لا يعدو أن يكون أحد سيقان النص، وهي كثيرة على كل حال،
لذا تمكن ابقتاتوس أن يبقى حياً وتتحول نصوصه إلى مصدر لكوثرة
نصوص قساوسة الإنجيل.
ونحن ازاء المشهد العراقي الثقافي والثقافوي،
نجد أنفسنا نمشي بين النصوص وهذه المعادلة البقتاتوسية، تمشي
معنا. فأي فقرة يغيب فيها النص أو الواقع أو يتغيب نجد أن
المسافة تكتمل بساق مكسورة للواقع أو للنص.
في مجموعة (غيوم من قصب) يقول جاسم البديوي
مستبق لوحة حيدر الياسري عن حادث التخريب في سامراء، فتنطبق
الكلمات على اللوحة التي سوف ترسم تطابقاً غريباً، حيث يقول
البديوي:
"لا وقتَ لدى النزف المستعجل
ولسوف يمّرُ بسرعة وقفة
غطِ الفانوس،
البردُ
وحيدٌ
والمطرُ . .
محطاتٌ للجري وراء
قطار لا يتوقف أبدا
كي لا ينتبهَ الحارس
فالناس يصلّون لأجله
ولكي لا يتعلمه الأطفال
وتصير أغاني الفلاحين
حقيقة"
لم يقبل القطار العراقي النصح، فانكسرت الأغاني
وبقيت دونما تحقق أو باتت (فتيت مبعثر) حسب لغة رواية محسن
الرملي. وكأنه أمام هذا النزف المستعجل للساق المكسورة، يوجد
قرار إجباري على تكملة المسافة يتحتم فيها الإعلان عن خسران في
الواقع أو النص، فردا أو جماعة. وبصيغة رمزية يمكن للسرد
القصصي أن يختصرها بهذا الشكل التي نقرأها هنا في نص يحاول
إظهار الِسنة النار (=حوادث الحرب والخراب) بأنها مجموعة من
فصوص الثلج، أي نصوص تستدعي الفن:
"في
الساعة الوحيدة الباقية على نصف اليوم.. دوى انفجار مروع هز
المدينة من أقصاها إلى أقصاها..
قال الخبر:
إن رئيس الطهاة اشرف بنفسه على
تحضير وجبة الغذاء لستة غواصين قدموا إلى المدينة بعد رحلة
مضنية سالكين الأنهر والترع والمستنقعات ليحلوا ضيوفا على حارس
الزقورة وليأخذوا معهم في رحلة العودة صناديق مليئة بالآجر
والرقم والمسلات والتراب والأختام، لدراستها وقد يفككوا
الزقورات والنصب المصنوعة من أحجار، ويضعوها في صناديقهم
المصممة خصيصا لهذا الغرض.. انتهى
الانفجار المروع هز الشوارع
والبيوت واحرق البشر والطير وأذاب الإسفلت وصهر الحديد واقتلعت
الحدائق القريبة ولم تنفع الحواجز والمتاريس من حدوثه..
الرصيف
المقابل كان مرتعا لبيع العقاقير المخدرة وأدوات الموت وأقراص
مخادع الليل.. وعلق إعلانا كبيرا يظهر فيه شابا منغوليا كتب
فوق صورته: فقدان شخص".
اعتقد أنها صورة مكثفة عن الوضع العراقي مختزل
في قصة إبراهيم سبتي هذه المعنونة بـ(طائر في غيبوبة)، ولننتقل
عنها إلى نص آخر مستذكرين دالة (نصف اليوم)، هنا حتى مجيء نص
محمد خضير في نصه (45 درجة مئوية).
لكن لنكتفي بافتتاحية هذه الورقة بالسؤال: في
طبخة سياسية مرعبة يذوب في قِدرها كل شيء، فيتم الإعلان عن
فقدان شخص (= فقدان وطن)، من هو الذي يكون قادرا على التدليل
بهذا العنوان سوى النص؟!.. ألا يحتمل أن يكون النص نفسه بفعل
الاستباحة حرقاً وقتلاً ومخدرات هو نفسه أيضا: نص منغولي؟!
فإذا كانت رواية فيصل عبد
الحسن (عراقيون أجانب) تصيح:"مع
كل انتصار معنوي يحققه جاسم العطية بين المعدان، يردد بينه
وبين نفسه: "الوعي سيد الواقع، نعم الوعي هو السيد".
فان علينا أن نفتش عن عناصر التفوق التي تجعل
توزيع المناصب بين الوعي والواقع، منطقية. فما بين (صيحة
الخنزير) في رواية وارد بدر سالم، المكتوبة ما بين1997
ـ 2002 في بغداد، ورواية حمزة الحسن (صرخة
البطريق) المنتهية عام 2006 في النرويج، يبقى شفاء المسخ
العراقي (نصاً وواقعاً) معلول مرتد إلى سلسلة علل، وحدها التي
لا تفضي إلى معقولية الحدث الكتابي والحقيقي، وإنما وحدها
كفيلة باستدعاء شفائه أيضا.
فالكتابة حينما تندد بالواقع، فان الواقع
بدوره سوف يجرح شهادتها ضده، وهذا ما لم تفطن له الثقافة
العراقية في المرحلة السابقة، حيث توالت نصوص الغموض
والطلسمية، أو الهروب خلف مدارس نخبوية غربية لا علاقة لها
بالهم الإنساني للفرد أو المجتمع العراقي، وطرح النصوص الخالية
من السر (هل ثمة سر بلا واقع؟!!) وكأنها مغارة لجميع أسرار
الكون فبات النص الأدبي مكبل بمجزءات تراثية وعلمية في شتى
الأنواع والأصناف ما عدى الأدب!!.
فكانت النتيجة الإبقاء على تداول نصوص من
سُمّو بالرواد والعودة إليهم مثنى وثلاث ورباع وألف، مع تزايد
عدم الاكتراث بالأسماء والنصوص المتزايدة الكثرة، وبالتأكيد أن
هذا بؤس نصوصي يتآخى مع بؤس واقعي في حين انه يمكن حسب قاعدة
التحدي والاستجابة بين الواقع والمثقف أن تخلق نصاً اكثر
إبداعاً في واقع اشد بؤساً كما هو حال الكثير من النصوص في
تاريخ الأدب العالمي المقارن، حيث صنعت المحن نصوص خالدة تعيد
صقل الإنسان والروح مرات عديدة كلما هبت عاصفة بخلاف المشهد
العراقي(إلا ما ندر) حيث نجد القضية متلازمة، ولعل أحد مردات
ذلك هو ذلك الإفراط الرومانسي الحقيقي أو المتخيل، الذي يجعل
المثقف العراقي يعود لمنهج الرومانس والتشبيب العاطفي، تحدياً
لروح القسوة في الواقع السياسي، تحدي متذبذب أن يكون عن رؤية
جادة أو عن عجز في الاستجابة. وهذا لا يحقق شيئاً سوى إتلاف
البعد الفني: إذ كما أن رجل السياسة حينما يعجز عن إدارة
السياسة كفن، فانه يتشبث بغثيان الحرب الخارجية أو القمع
الداخلي، فكذلك رجل الثقافة حينما يجد العجز عن إدارة النص
كفن، فانه يلجأ إلى الغثيان والطلسمية وزج نصوص تراثية أو
أجنبية ( =اقل عيب يقال هنا هو وجود نقل على حساب الإبداع)،
وبهذا يتحقق قهر للنصوص من ذات داخل النصوص نفسها.
يخبرنا حميد العقابي في سيرة
(أصغي إلى رمادي) عن مرحلة العيش في مخيمات للاجئين في الأراضي
الإيرانية، حيث يكون البؤس محور لكل قيمة وجودية:
"..عجيب أمر هذا المخلوق العراقي، فما أن
استـقر بخيمته حتى فتح زكائبه المكتنزة وراح ينظم كتبه
وأوراقـه، قـواميسه ومعاجمه، يكتب رسائل تصل الآفاق لينتظر
رسالة قادمة إليه من بلد لم يخطر في بال أي عراقي أن يصله.
تـلـتهم عيناه الكتب وكأنه يعيش أبداً أو كأنه يردّ بها
الإهانة".
تعاطي النص بكونه نوع من (رد الإهانة) وإن كان
حافظ على جذوة معان سامية في الروح العراقية، إلا انه أيضاً هو
الذي صيره ذات حالمة لا تتنفس إلا داخل الكهف النصي، الأمر
الذي هدد باستمرار بخلق جماعات الطفل الكبير، الذين لا يحتملون
اصغر الأشياء.. فكيف بواقع متوحش، بدءا من دكتاتورية النظام
السياسي الداخلي وحتى هجوم عصابات الإرهاب الخارجي. بهذا تكون
سرديات عراقية (= سرديات بقلم أو فرشاة أو جسد أو كاميرا) تحكي
وجعها الذي تعرضت له على يد سلطات القمع في البلدان الأخرى، هي
استمرار لسرديات المحنة داخل سجون النظام السياسي، يشهد على
ذلك حضور الأبيات الشعرية.. وأسماء الأغاني.. واستلهامات
الأمكنة القديمة.. والصور اللوحات المبصومة بعالم الذكرى..
ووحدة الشعور بالمطاردة والباروناما، أو الاختلاف
والنوستالوجيا والحنين لواقع غبار يكون تراجعياً دوماً، حتى
فيما لو استخدم الكاتب عملية زج الأمور الحياتية الصغيرة
والمواضبة على إدخال عناصر الفكاهة والتنوع، كما في (عراقي في
باريس) لصوموئيل شمعون. لكن إلى أي مدى تبقى وحدة البنية
واللغة ما بين هذه النصوص المكتوبة داخل العراق وخارجه.. ما
بين (تحت سماء الكلاب) حسب لغة رواية صلاح صلاح، و(تحت سماء
متوحشة) حسب لغة قصة محسن الخفاجي؟!.
في نص آخر و تحت عنوان
(هل ثمة مصير آخر للشعر العراقي) كتب علي حسن الفواز:"قد
يبدو المشهد العراقي قريبا من لحظة المحو، أو مسكونا بكهربائية
ما بعد الصدمة، وقد يبدو أمام لحظة اكتشاف مريع لعطالة التاريخ
والوعي و(النضال) والثقافة والحزبيات في أن تنقد المواطن
والوطن من الخراب وتمنعه من
ارتكاب (الحواسم) والأخطاء وتهيئة فضاءات مناسبة للحوار
السياسي والاجتماعي...".
بغض النظر عن التنظير ذاته، فان نظر أي شخص
آخر غير عراقي أو عراقي هجر لغته الأولى وطاب له (كرها أو
اختياراً) الانتقال كلياً إلى باحات السجال الثقافي الأوربي أو
الأمريكي أو الإيراني أو ما سواها، ستوقفه مفردات مثل
(الحواسم) تجعل النص العراقي الجديد غير قابل للفهم بدون
ميكانيزم خارجي للشرح والتفسير.
وهذا يعني لاوجود حركة جديدة في السجال النقدي تبوح بعالي
الصوت رفضها (إن لم يكن مقتها) للتجارب السابقة وتحميلها
مسؤولية الخراب، وإنما كذلك دخول جملة من الكلمات والمفردات في
داخل النص الأدبي الاستعمالي والتوظيفي.
وهنا نتورط في عقدة سؤال الأدب والسياسة..
الواقع والكتابة...الخ.
فغني عن القول أن طرح سؤال بصيغة: ما مدى تغير الواقع العراقي
الجديد بتغيرات النص الأدبي؟. هو سذاجة مثالية تفترض بان النص
يمكن أن يكون علة فيزيقية، وقل ذات الأمر بالنسبة لقلب السؤال:
ما مدى تغير النص الأدبي في مرحلته الجديدة مع تغيرات العهد
السياسي والاجتماعي الراهن؟. فهذا بدوره تسطيح لماهية النص
وجعله مجرد مرآة عاكسة لا غير. إذ الكلمات ليست محض تمثيل
للأشياء، وليس العلاقة بين الشيء ووسيلة التعبير عنه هي علاقة
العرض بالجوهر، لكن ومن دون حاجة للتذاكي وتقرير أرشيف حول
إشكالية النص والواقع، والذي هو أرشيف بات معلوم للجميع بدرجة
معلومة مدرسية، فانه يبقى خالق النص، والذي هو الكاتب والمؤلف،
عبارة عن كائن يعيش نصفه في جهنم الواقع ونصفه في جهنم الحبر،
وفي الحالة العراقية يتلمس السؤال صيغة أخرى: هل تغير جحيم
الواقع السياسي والاجتماعي العراقي؟!.. هل من تغير في عالم
الكتابة والحبر لدى أهل العراق؟!. إذ بهذه الصيغة تقع مندوحة
القول: هل ما وقع يحقق شرطاً في إنجاب نص أدبي مختلف؟!.. وهل
ابتكر النص استراتيجية وقاموس آخر يفي لان يكّون مقاومة ثقافية
ضد الخراب الجديد؟!.
في عالم السياسة
والاجتماع، تجرجر المأساة مأساة أخرى، فبدل الحروب العراقية
الخارجية لدينا اليوم الاحتلال.. وبدل المنظمة السرية لحزب
البعث وحكومة صدام حسين، لدينا اليوم الإرهاب. وفي عالم
الكتابة، لدينا اليوم بدل شرطة الحزب، عمائم الدين ومليشيات
المنابر. أي أننا هنا لن نستطيع الاكتفاء بان ما اجتهده عباس
خضر في كتابه (الخاكية) هو تسجيل بات من الماضي، وإنما الخاكية
لازالت مستمرة رغم تبدل موضتها إلى العمامة أو اللثام أو حتى
ربطة العنق المدنية، لذا كان مستعجلا الفرح العراقي بأننا الآن
سنقفل بالرصاص والقصدير والشمع الأحمر أبواب عودة الجحيم، أو
(يوميات نهاية الكابوس) حسب تعبير عنوان كتاب فوزي كريم
الأخير. بيد أن سقوط النظام البعثي في العراق، ما كان له إلا
أن ينجز محوراً فاعلاً، ولو بطريقة قهرية، حيث فتح هذا السقوط
الجدار العازل بين الأدباء المنفيين في خارج العراق، وبين
الأدباء الذين مكثوا داخله. فنحن في العراق ليس لدينا أدب مهجر
كما في لبنان مثلاً، وإنما لدينا أدب منفى. لذا ما فتأت سجالية
أدب الداخل والخارج تعيد صياغتها مرة تلو أخرى منذ انهيار
النظام السياسي البعثي وحتى الآن، وكأنه يستحيل إيجاد توافق
على النص بمثل استحالة إيجاد توافق على الوطن، خصوصا وأننا
سنرى في عرض طيات بعض النماذج، أن النص هو ذاته بات الوطن
والمأوى الأخير، حيث تجذر الإيمان بكون عودة النورس إلى عشه
الأول ضرب من المستحيل، عليه من الطبيعي عندئذ أن تتحول
الكتابة إلى قتال بالسلاح الأبيض حينما يجد المثقف انهم (سرقوا
الوطن..سرقوا المنفى) كما يقول صاحب رواية (عزلة اورستا)،
والتي سوف تتطور في رواية (صرخة البطريق) إلى وعي اكثر وضوحاً
في اقنيم المستحيل:" صار الصيراوي يشكو، في السنوات الأخيرة،
من العقاب الإلهي لأن الموت نسيه أو انه مات في الحياة منذ زمن
طويل، فلا أحد في البلدة، بما في ذلك هو، ولا مؤرخ البلدة
الوحيد، يعرف في أي قرن أو مكان ولد، ولا أحد يعرف من أين جاء
مثل كل مخلوقات الخان التي ولدت من العدم كما بزغ يوما حميد
سائس الخيل قادما من اللاشيء أو مصطفى ترك الذي خلع نفسه من
جيش مهزوم أو عزيز الذي يبدو انه ولد وفي جسده الصبغ والفرشاة
وصندوق الشغل أو كورجية التي جاءت من التيه إلى التيه، حتى
الملوك والزعماء الذين تصور الصيراوي زياراتهم مات بعضهم قتلا
أو صلبا بلا قبور أو شواهد.
الشيء الوحيد الحقيقي هو الخان
وكل شيء آخر دخان وريح".
لكن ماذا لو كان الخان (=الوطن) هو كائن مركب من دخان وريح ليس
إلا.. فأي معنى بالتحديد سيكون عليه افتراق ما بين داخله
وخارجه؟!. فهذا ناصر الحلفي يكتب (بغداد رحلة صمتي) وهو نص
مكتوب بتاريخ 2006\3\10:
"بغداد حبلى بالمصير
ما بين المخاض
والصراع الأخير
بغداد رحلة صمتي
وهويتي
سوف ارحل
واترك أوراقي
وقلمي وقلبي
وسط الزحام
ترسم تاريخ
المعاناة والأيام
قطرات المطر
كانت قصيده لا تنتهي
نقرأ فيها الوجود
والإنسان والثورة
ومواويل الليل فيها
كانت تشبه أساطير
سيدة العشق الأبدي
وفي تلك الحظه
من لحظات النشوة
يتحول الليل إلى عراق
وتتدافع الدموع في الأحداق
ودم الجميع يراق
ما بين همجية القنابل
يموت الإنسان والسنابل
وتُرمى دمى الأطفال بالمزابل
هذا ليس رأياً طموحا..".
بينما في عين ذات التاريخ
وتحديداً 2006\ 3\9 وتحت عنوان: (العراق) يكتب عدنان الصائغ:
"
العراقُ الذي يبتعدْ
كلما اتسعتْ في المنافي خطاهْ
والعراقُ الذي يتئدْ
كلما انفتحتْ نصفُ نافذةٍ..
قلتُ: آهْ
والعراقُ الذي يرتعدْ
كلما مرَّ ظلٌ
تخيلتُ فوّهةً تترصدني،
أو متاهْ
والعراقُ الذي نفتقدْ
نصفُ تاريخه أغانٍ وكحلٌ..
ونصفٌ طغاهْ ".
فمع ملاحظة إتلاف جميع
العناوين والعودة إلى مباشرة استخدام اسم بغداد والعراق، يصاب
منطاد النص بنبال الواقع وانه يباين تطلاعات المثقف ورؤياه،
لذا اعتقد أن رؤية الوطن جزء من مقولة المستحيل هي التي حبذت
استخدام لافتات عنوان الملائكة مثل رواية فاضل العزاوي (آخر
الملائكة) ومجموعة عباس خضر (ما من وطن للملائكة) ورواية (سيدة
الملائكة)..الخ.. فالملائكة والعالم المادي المحسوس أمران
متناقضان يستحيل الجمع بينهما، وهنا بالتشابه والتجانس يكون
الأديب صاحب المشاعر المرهفة والقيم الإنسانية المثالية، مع
الوطن القاسي والمحارب والمتحارب باستمرار أشبه شيء بـ(طفولة
تبكي على حجر) حسب تعبير الشاعرة رنا جعفر ياسين التي اختارته
عنوان لديوانها، المكتوب عام 2005، والذي نجد تيه الذات في
ضياع الوطن في غيهب المستحيل:
"
وأنا هناكَ..
كتبتُ من قدري
ولادةَ صوتي الأخرس
لا تشفعْ لمسألتي
فأنا أضعتُ خريطتي
مدينتي
بيتي
و أشلائي
لا أرضَ لي
لا بيتَ لي
لا أمَّ لي ".
فالذات (=أنا) التي تفترض أن
تكون مشارة إليها بالقرب لا تتعقل إلا بكونها تمثل
البعد(=هناك) وهذا الـ هناك، رغم كونه دالة إشارية يفترض بها
أن تكون أحد أدوات التعريف اللغوي، إلا أنها هنا في واقعها
ضياع محض، فأي تحديد يمكن أن تميزه الإشارة مع فقدان
الخارطة؟!. وبهذا إذ يتم فقدان مركزية الوطن كداخل تم التكوين
فيه، فان عملية محاولة التمييز تتبعثر خارجه فيبقى التكوين
الثاني الذي في المنفى يشكو من البارونويا والحنين وسؤال
مفارقات الهوية. وبهذا يكون الـ (هناك) هو ذاته ما عبر عنه
البياتي بـ اللامكان، وذلك في قصيدته مسافر بلا حقائب:
" من لا مكان
لا وجه، لا تاريخ لي، من لا
مكان..".
في حين أن ضمير الإشارة
(هناك) هو جزء من مقولة الأين والمكان، وعليه فإذ يدل الشيء
على نقيضه فما ذلك إلا لكون الأمر يحيل إلى الفصام والورطة غير
القابلة للحل والخلاص. لذا نجد تتمة بكاء طفولة النص على حجر
الوطن، لدى رنا جعفر ياسين، بأن تقول تتمة الخلجات فيها:
"
وأنا هناكَ..
حيثُ المدينةُ
والسنونَ
والبقايا
وطوقاً من تعثرٍ باهتٍ
توسطَ ما دنوتُ له من كبرياءٍ
عابثةٌ بخواطري عند الشمالِ
و جدائلي حرةٌ صوبَ الجنوبِ
وبلادي
تهزمني
فأغصُ بالحنينِ الأشيب
وأنا هناكَ ..
حيثُ المدينةُ
والشوارع
والركام
والأنهارُ تغصُ بالأشلاء
والبقايا
والبقايا،
في صندوقٍ من الوهم ِتعصبُ
خوفها".
فبعد أن كان الأمر حتى عام
1999 منحصر بكون لا يتعدى كون الوضع العراقي الذي يعاني من
مخاض ولادة قيصرية، بأنه (مناجم للأرق) بتعبير عنوان مجموعة
نجاة عبدالله التي كتبتها بذات هذا التاريخ، حيث نقرأ:
"
بعد أن
تكتمل أنفاسكَ
إقطعْ روحكَ الميتة
وناقشْ
هذا الطين المنسي
لأنكَ عصي على المضي
وغريب عن الطريق .".
فإننا في عام 2005 (كما هو مثالنا في نصوص
عدنان الصائغ، حمزه الحسن، نصار الحلفي، رنا جعفر.. والآخرين)
نكون قد وصلنا إلى مرحلة اليأس أي أن طفلنا، كان ميتاً منذ
البداية، فكانت الغربة داخلية فقط وإنما ذات الداخل هو غريب
كذلك، فهاهو ناصر الحجاج وتحت عنوان (غريب الأوجاع) الذي كتبه
بتاريخ 2005\25:
"
ما كمِثلِ الفراتِ نهرٌ غريبُ
..
يعقبُ الحزنَ، للشروقِ الغروبُ
ويدورانِ مِثلَ مَدٍّ، وَجزْرٍ
فيذوبانِ، دمعَ جمرٍ يذوبُ ..
هكذا قلتُ لِشوارعَ بيروتَ
..فردَّتْ:
لأجلِ هذا تجوبُ
..قلق
البال..!؟
مكفهراً..،حزينَ
الوجهِ..مُذْ
جئتَ
يعتريكَ الشحوبُ.".
فالمواطن العراقي أضاع بلده
مرتين.. داخله وخارجه.. مستذكره وناسيه..الخ، لذا نجد ذات الـ
(هناك) في قصيدة (العراق) لبسام صالح مهدي:
"
العراق الذي فرَّ من نفسه
مرتيـنْ
العراق هنا.. وهناك..
وأينْ..
لم يصدق بأن اليدين
صارتا بين بينْ
لم يصدق
بأن تواقيعنا
فوق كفيه دينْ ".
فالـ هناك، ليست للإثبات
لذا سوف تتوالى مفردات النفي: بلا مثالتلين.. بلا قدمين.. لذا
تكون النتيجة:
"
مرة كان يثأر من نفسه للحسينْ
وهو الآن يثأر من ثأره مرتينْ ".
ومحنة النص الأدبي هنا يتواشج مع التورط
السياسي حيث ينشطر عراق الدستور الجديد بين مبدأ حقوق الإنسان
وبند كون الشريعة الدينية هي الأساس فـ(بين بين) هي ليست عدم
تحديد وإبهام وتناقض وإنما قد تكون هي حقيقة الشيء إذا ما كان
في واقعه ليس حقيقة، لذا لا يخلو ذكر الوطن من ضفتي لامعقول:
أن يكون فوق التشبيه والوصف حسناً، أو يكون اقل من أي ذم
قبحاً، وهذا يعني أن الوطن فوق العقل، إذن فهو مستحيل لكون ما
هو واقعي لا يكون إلا عقلياً حسب ما كان يحبذ هيجل التعبير
عنه.
وهذا ما نشاهده في قصيدة سعدي
يوسف (حفيد امرئ القيس) والتي سوف يكون ذات العنوان لافتة تضم
آخر مجموعة ينشرها سعدي في خاتمة عام 2005، يقول سعدي هنا:
" أهو ذنبك انك يوماً ولدتَ
بتلك البلاد؟
ثلاثة أرباع قرنٍ
ومازلت تدفع من دمك النزر تلك
الضريبة:
انك يوماً من
تلك البلاد ".
وهي قصيدة تلفت الانتباه
لكونها القصيدة الوحيدة منذ فترة طويلة تشعل جذوة الاحتراق
الشعري من بين أكوام نصوص من رماد تكاثرت في فترة سعدي يوسف
الأخيرة. والقصيدة كما هو واضح تقرر اعتراف متأخر في مسيرة
(سيدة النهر) والأخضر بن يوسف وحتى (فلترحل أمريكا)، بان الوطن
ضرب من الذنوب التي لا تقبل التوبة. حيث الكل يهرب من الوطن
ويحن إليه، يفزع من نفسه فيتشبث بالذكريات، تطارده الذكريات
فحاول التمسك بقشة الروح ودواخلها، تماما كما يصف سالم محنته
مع زوجة أبيه، في رواية تاريخ العائلة، وهو شخصية مغتربة داخل
عائلته ووطنه وكأنه حالة من صور يعطيناها شعر حسين القاصد
ووجيه عباس وعقيل علي، حيث نقرأ في رواية تاريخ العائلة:
"
كان يلذ لها أن تدمرني، تقسو علي تعيرني باني
ابن الخاتون لم تذكر لامي صفة غير هذه. لكنها كانت تذكرها
بأسلوب مسيء، تمط الكلمة، تشحنها ثم تقذفها كتلة من نار إلى
صدري... ابن الخاتون.
ـ ابن الخاتون لا يغسل ملابسه.
يريد خادمه تغسل ملابسه. يأكل وينام ويجلب الفضائح.
وصرت اغسل ملابسي واطبخ طعامي. أهرب من البيت
إلى الشارع ومن الشارع إلى داخلي".
فهل يمثل الوطن حالة رحمية، والحنين إليه مأخذ
طفولي غير راشد، عندها يكون المنفى الانصدام بالعالم الكبير،
حيث يقابله الطفل بالدهشة والانبهار والكثير من الدموع
والكتابة والنصوص؟!.
المشكلة أن إشكالية أدب داخل
وخارج، لازالت إشكالية مرهونة بالتعاطي غير الثقافي والفكري
لها، وإنما لازالت تقرا بأنها استمرار لمحنة البلد السياسية،
فنجد مثلا القاص سلام إبراهيم يقول تحت عنوان (أدب عراقي لا
أدب خارج وداخل):
"كثر
الحديث عن أدباء الخارج وأدباء الداخل وكأن الكلام ترديد صدى
لما يدور في العراق السياسي من تصاعد نغمة السني والشيعي
والكردي وأبعاد اختلطت فيها النزعة الطائفية المقيتة بنزعة
الحقوق وعاد المرء لا يستطيع فرز الحق من الباطل، والخبث من
الطيب(..)لابد في البداية من القول أيضا بأن ليس هنالك أديب
خارجي وأخر داخلي هنالك أديب عراقي يكتب نصا عراقيا. لكن من
الممكن الكلام عن ظروف كتابة النص. ومن هذا المنطلق ممكن تقسم
تلك النصوص إلى قسمين
1
ـ نص مكتوب تحت ظروف القمع زمن الديكتاتور.
2
ـ نص مكتوب تحت ظروف الحرية في المنفي.
ولكل قسم سماته الفكرية
والفنية.. ووفق هذا التقسيم من الممكن النظر بموضوعية للنص
وطبيعته. فظروف القمع حددت الأدب وأفرزت ثلاثة أنماط من
النصوص:
الأول: نص تعبوي ساهم بتخريب وتسميم أفكار
القارئ بالتطبيل للحروب وتبرير القمع وهذا يجده المرء في سلسلة
قادسية صدام سيئة الصيت، وسلسلة أم المعارك أيضا. الأسماء
وافرة سيجدها القارئ في موضع أخر بهذا العدد. لما عدت في زيارة
إلى العراق العام الفائت اكتشفت أن غالبية الكتاب كتب بهذا
الشكل أو ذاك قصائد وقصص تبرر ذلك الوضع بشتى الذرائع توافق مع
الوضع لكتاب البعث، أو خوفا أو لمصالح مادية للبعض الآخر إلا
قلة معدودة.
الثاني: نص التجأ إلى الأسطورة
والرمز منشغلا عن هموم العراقي وقت الحرب والقمع خوفا من
الاعتقال أو التصفية. كنصوص محمد خضير فغيب العراقي وأحيا
المندثر والمدله بخرافات وأساطير قديمة، ومحمود جنداري الذي
كتب نصوصا فيها من التلميح والصراخ والإشارة لما كان يجري دفع
لها حياته ثمنا سجنا وتعذيبا ثم موتا مبكرا
الثالث: نص كان يكتب خفية دون
نشر أو برمز مفضوح وفيه يتناول هم الإنسان ذلك الزمن وبصراحة
كنصوص علي الشباني الشاعر العامي العراقي.
أما النص المكتوب في المنفى
فله سماته أيضا إذ تميز بما يلي:
أول سمة هو انشغاله بالعراقي
في زمن الديكتاتور والحرب وكان صريحا يحاول عكس ذلك العذاب في
نصوص روائية وقصصية كتبت خصيصا حول هذه التجربة وكان من
المستحيل أن تكتب في العراق نصوص نجم والي، جنان جاسم حلاوي،
شاكر الأنباري، جبار ياسين، حميد العقابي، كريم عبد، وكاتب هذه
السطور، وعشرات الأسماء الأخرى التي لا مجال إلى ذكرها هنا.
السمة الثانية هو الحرية
المتشربة في مثل هذه النصوص. فانعكست على اللغة وبنية النص
وأسلوبه مما جعلها تتميز وتلفت انتباه الوسط الثقافي العربي
فكتب عنها العديد من المتابعات النقدية في الصحف العربية ومن
كتاب عرب وليس عراقيين.
السمة الثالثة.. النصوص
المكتوبة في المنفى تجاوزت ليس التابو السياسي فقط بل حتى
العرف الاجتماعي العراقي الصارم فكانت نصوص صريحة وعميقة كشفت
الكثير عن تكوين الشخصية العراقية المزدوجة بين خارج عفيف
وداخل يبيح حتى الكبائر نجد ذلك في نصوص عالية ممدوح حميد
العقابي وشاكر الأنباري وجنان جاسم حلاوي وكاتب هذه السطور،
والرائد فؤاد التكرلي الذي لم يستطع طباعة رواية واحدة في
العراق زمن الديكتاتورية.
هذا الكلام على عجالة أردت منه
الإشارة إلى ضرورة أن ننظر للنص العراقي من منطلق أدبي لا
سياسي وحينذاك لا توجد ضرورة للقول بأدب خارج وأدب داخل. بل
أدب عراقي.."
ليست مشكلة هكذا تنظير بأنه يحاول إلغاء
القسمة بتبنيها فقط، وإنما تلك النظرة التبخيسية لما تم كتابته
داخل العراق في زمن الفترة السابقة، يكفي أن نقول أن (بصرياثا)
و(المملكة السوداء) و(كراس كانون).. وغيرها من كتابات محمد
خضير لازالت تمثل نضجا يصعب مقارنته بكثير من نصوص المثقفين
العراقيين المتواجدين خارج العراق (= مع اننا لانسى ان محمد
خضير يشطب اي تأثر له بتجارب العراق السابقة ويحيل تجربته إلى
تأثيرات أجنبية، وهذا يعني إننا إزاء إلغاء كامل بالنسبة لمن
في الداخل والخارج على السواء)، وإنما يسهل علينا رد الأمر إلى
نصابه بعرض نص لسلام إبراهيم نفسه ولنرى إلى أي حد يتوافق نصه
مع تنظيره، في العدد 26 من مجلة (نصوص عراقية) وتحت عنوان
(كائنات الله) كتب سلام إبراهيم قصة عن قط ابنه المريض الذي
دهشته سيارة:
"
أكتب الآن وأبني عاود البكاء في غرفة نومه
بالطابق الثاني!.
نزلت
تواً من جواره.
تركته
على سريره، يستلقي على بطنه، غامداً رأسه بوسادته كي يخنق
نشيجه.
أبني ابن الثانية عشرة وِلدَّ هنا في
Roskilde
الدنمركية. عراقي أسمر، حار، كرغيف خبز."
ثم تتابع القصة بعذابات القاص
بعدم وجود أي أمل في شفاء القط، ومحنته مع ابنه العاشق لهذا
الحيوان، بل محنته مع نفسه المتعلقة بهذا القط، وكيف بالتالي
سيفقده، ويكفي على التدليل بذلك نهاية النص:
"ضعت في الحقول حتى المساء
أنشج واصرخ وأنادي قطي المسكين شاتماً نفسي لعجزي عن إنقاذه..
من يسمعني في فلسطين والعراق ومدن التوتر والموت اليومي يسخر
من مني ومن الحكاية.. وله كل الحق.. لكن ما أصابني هذا اليوم
سردته كما هو، كما شعرت به، كما حدث.. واللعنة اللعنة على
الأثرياء والظالمين وقاتلي الأنفس التي وهبها الله لكائناته."
وهنا نقول لو أعطينا هذا النص لأي أحد وحتى
بعد حذف الكلمات الأجنبية واسم دولة الدنيمارك، بل حتى لو
وضعنا اسم مستشفى داخل العراق، أفلا يمكن بسهولة تصنيف الكاتب
بان صاحب النص ينتمي للذين عاشوا خارج العراق (= القاص نفسه
متيقين أن الذين في الداخل سوف يسخرون من حكايته أي انه بات لا
يفكر مثلهم ولا بذات عقليتهم).. وبالتالي كيف نرتضي بان قضية
الأدب داخل وخارج هو محض إسقاط سياسي؟!.
والأمر
سوف يتوضح اكثر فيما لو استحضرنا بعض قصص محسن الخفاجي التي
تدور عن شخصيات تأتي إلى داخل العراق(كثير منهم منفيين عادوا
في زيارة)، ولها ذلك التميز الواضح في كل شيء، لا في العادات
والأفكار فقط وإنما حتى في ساعات النوم واستخدام مفردات لغوية
غريبة وعدم الاكتراث للعرف والعادات وغير ذلك من سمات فيزيقية
وسايكولوجية وثقافية.
"
إنني أسأل هنا عن معاصريّ المنتشرين في كافة
قارات العالم، أولئك المجهولين - الغائبين بالنسبة لي. أريد أن
أتعرف عليهم وأتفق معهم على نوع الحياة التي نعيشها. نطرح
أسئلة واحدة ونبحث عن أجوبة موحدة لها. عن المصير ذاته، وأحلام
الأيام القادمة أيضاً. إنني هنا - أعرف أننا جميعاً - هنا
وهناك - نقتسم يوماً أرضياً واحداً، ولكن لكل منا نصف يومه
المختلف. هنا حين يؤوينا الظلام الساكن، العامر بالأشباح،
يغمرهم نهار شوارع مزدحمة صاخبة ملونة. وحين يأتي نصف يومنا،
نهارنا، شوارعنا المغمورة بشمس ناصعة، يحل نصف يومهم، ليلهم
الطويل البهيج أو الثقيل بالجرائم والعري والقمار والرقص. غير
أن التضادات تلك، الأنصاف المتضادة، لن تحول دون رغباتنا
الصادقة في أن نلتقي لنعرف، لنفهم، لنوحد يومنا في زمن أرضي
واحد".
ذات الأمر نجده في قصة (ميته
ذهبيه في طروادة) لمحسن الخفاجي:
"
بعد عشرين عاماً، بعد فصول مملة من أمطار
وعواصف وأعاصير وجفاف وغبار، نسجتها طبيعة غاضبة شرسة بمخالب
وحشية، يعود أخي من الغرب الذهبي ليقضي بقية حياته في مسقط
الرأس (هذا ما ورد في برقية قليلة الكلمات. حدسنا من كلماتها
أن الحنين قد قتله أخيراً).... بلغ الخمسين من العمر، لكنه ما
زال يحيا في غربه الذهبي... نزع أخي قبعته، ورمى غليونه وكيس
تبغه على المنضدة... ونام أخي. نام كواحد من أهل الكهف، ونحن
الذين أقسمنا على تدليله غرقنا جميعاً في حيرة. ظل نائماً
لساعات طويلة، فصار علينا أن نوقظه. قال البعض منا إنه جاء من
بلاد بعيدة، عبر محيطات وقارات، وليس من اللائق إيقاظ مسافر لم
ينل كفايته من النوم، وقال البعض الآخر إن علينا أن نوقظه مهما
كان الأمر إذ إن علينا أن نرغمه على استقبال الضيوف المهنئين
بعودته وسلامته من مخاطر الطريق، وأن عليه أن يصافحهم الواحد
بعد الآخر، لكنه أطبق أجفانه كالميت، وغاص في النوم، دون أن
يخلع حذاءه أو ثيابه الثقيلة. لا بد أنه لم يجد حرجاً في ذلك،
وتملكتنا الحيرة، ونحن نرى تقاطيع وجهه تومئ بسعادة هائلة، ثم
تنقلب إلى تقاطيع منكمشة تشف عن حزن عميق. انتهت الحفلة بلا
بداية ولا نهاية. صرفنا الضيوف بأعذار مزيفة، وأطفأنا المصابيح
الصغيرة والكبيرة (بالرغم من أننا كنا في منتصف النهار.) وخيّم
صمت قاتل على أفواهنا المندهشة، فلم نعد نعرف ما الذي يمكن أن
يقال......
قال أخي بصوت ضاحك:-هل أنتم الآن في طروادة؟!
إنني لا أرى غير رماد حرائق.
جفل أفراد العائلة جميعاً، فهم لم يسمعوا
بكلمة (طروادة) وأخذت العيون تنظر نحوي مستفهمة".
محسن الخفاجي نموذج مهم فهو
كرس الكثير من نتاجه لقراءة العراقي الذي تمكن من النجاة
والعيش خارج المحرقة، وهذا وحده يدلل على أمنية خبيئة، خصوصا
وان الخفاجي مثله مثل كثيرين غيره يخلط ما بين المهجر والمنفى،
لذا فهو لا يفسر اجتماع (السعادة الهائلة) والحزن العميق، إلا
بكونه محض حنين ورغبة نهاية (غريبة). والخفاجي مثله مثل محمد
خضير يوحد كل ما هو خارج العراقي في نموذج ذهبي واحد، لذا فهو
مثلا ما كان يستطيع تفهم رواية (عزلة اورستا) لحمزه الحسن أو
(مدن الماء وطائر القلب الجريح) للحرز، إلا بكونها ضرب من خيال
غير واقعي يجرجر مازوشيته.
إذن هكذا يتخيل محمد خضير في (45 درجه مئوية)
الأمر، مذكر إيانا إلى قصة إبراهيم سبتي، وحديثه عن (نصف
اليوم) الحاضر لكونه واقع موجع ومؤلم، والنصف الآخر الذي هو
محض خيال جميل يقع خارج حدود الواقع:
هناك
يوم واحد يقتسم نصف منه أهل الداخل ونصف منه أهل الخارج، قسمة
تبعث على الترضية لولا أنها قشرية جداً، فالداخل تنور عملاق
يحترق فيه كل شيء، والخارج نعيم مطلق..
غير ملتفت هذا الذي في الداخل
الذي يحب وطنه كوسيلة للفرار، عن ذلك الذي فر معطي الهرب وسيلة
للحاق حيث يقول:
"صديقتي
"الغربة"
ارحلي عني
كم امقتكِ".
حسب تنهيدة فائزة عبدالله سلطان، التي تشبه
مخاطبة فيفان صليوا بذات الكلمات لا للغربة وإنما إلى الله
نفسه كنوع من وحدة اليأس ووحدة لغة الخواطر في عموم الكتابة
النسوية،
لكن ما يجب ذكره أيضاً هو كثرة النصوص العراقية
التي تتناول الله كما هو حال عدنان الصائغ قبل سقوط النظام
البعثي، ونصوص جمال جمعه بعد ذلك.
ففي مجموعتها، التي فيها الكثير من التقصير
الفني والتي عنونتها فائزة عبدالله سلطان:
(تزرعني
في قلب فراشه)
حيث يجتمع حب الصداقة مع المقت، والإقامة مع
الرحيل، خصوصا بعد سقوط الصنم البعثي الذي كشف وجود أصنام أخرى
يمكن إسقاطها لكونها هي دعائم معبد الوطن حقيقة، الأمر الذي
حدى بحمزة الحسن أن يقول في كتابه
(الحروب
السعيدة):
"
في شهادات كثير من العائدين من الوطن صدمة
تنطوي على ذهول كبير حتى أن أحدهم كتب أمس يقول انه في الطريق
إلى المنفى الجميل وانه يحلم في الوصول إلى ثلوج النرويج
البيضاء النقية الآمنة هربا من الوطن المنفى."
في حين صاحب النص هو الذي
افتتح روايته سنوات الحريق بكل ذلك الشعور المفرط الموجع في
الاغتراب.
لكن أين تلتقي فعلا رغبة جمع
التضادات؟!
نعم إنها في (المستحيل) فقط!
لا يلغي هذا وجود محاولة نظر مختلفة، مثلما
حاول ياسين النصير، فتحت عنوان (القصيدة العراقية المغتربة)
ضمن بحثه المعنون بـ (شعرية الماء) يكتب ياسين:
"يقودنا المقال إلى محور جديد داخل القصيدة
التي يكتبها عدد من الشعراء العراقيين في المهاجر والمنافي.
وهي ثيمة طالما تلمسنا خيوطها الفنية عن بعد واستشعرنا مفردتها
بطريقة المقارنة بين ما كنا نقرأه من نتاج أدباء غربيين
اغتربوا، ونتاج عراقيين اغتربوا، فلم يجد برشت الفرق بين
الثقافة في ألمانيا التي هاجر منها، والثقافة في النمسا أو
أميركا التي لجأ إليها. فالثقافة في بلدان أوربا وأميركا
متقاربة جدا،وأن اختلفت بالخصائص المحلية، وفيها يجد المثقف
كل الكتب مترجمة من لغات أخرى، لذا بقي برشت يجدد ويكتب وفق
سياقات معاصرة. في حين أن المهاجر العراقي الآتي من بلد متخلف
ثقافيا وواقعيا، لبلدان متقدمة ثقافيا وواقعا يجد فرقا كبيرا
بين ما كان يكتب عنه هناك، وعما يعيشه الآن هنا. هذه المشكلة
الاجتماعية؛ ثقافية بالدرجة الأولى. لأنها تتصل بكيفية الإبداع
الذي يعتمد على سياقات متشابه وإن انتقل المبدع عن مواقعها
المكانية،لا على كيفية المعايشة وإن عاش فيها. والقصيدة التي
يكتبها عدد من الشعراء العراقيين في المهاجر، وبعد خروجهم بزمن
طويل من العراق، نجدها تحمل هذه المفارقة: شاعر لم تنضجه تجربة
شعرية وثقافية لقصر معايشته لها، ويعيش مفارقة اللا وطن بحكم
تنقلاته وارتباطه بمشكلات واقع قديم، فتصبح تجربته الشعرية،
وكأنها بحث وجودي يلامس باللغة المبهمة والاستعارات المفارقة،
جوانب لم تكن مهيأة لنقلة في القصيدة الحديثة. ويبقى مسعاه هو
أن يجد له بقعة شعرية خاصة به تحمل كل احتمالات التجديد في
القصيدة."
بيد أن اجتهاد كهذا يسهو بكون هذا يعني أن
الأدب المغترب ينطلق من اللاتواصل ليصل إليه، في حين انه
المتفوق انتشارا وتأثيراً!
هذا أولاً، وثانياً؛ أن هذا التنظير يعتبر
الوطن حالة مكانية مشار إليها بـ(هناك) يقينية، في حين أن نصوص
المنفى والمهجر تزخر بكونها تقدم نقودها وانتقاداتها إلى هذا
الفهم المستقر نفسه، وعليه (وهذه اصغر النتائج) فان هذا النوع
من القراءة سوف يفضي مقاربة النصوص بما هو مباين لها فيتم
تغطية أهم ما تصبو إليه وتكافح من أجله. وثالثاً: ان مقاربة
كهذه هي بحد ذاتها تقرر نوع من القمع لنصوص قامة على الفرار
منه، أي أننا هنا إزاء نوع داخلي توالدي للقمع حيث يظهر من ذات
النصوص لا بوسيلة خارجية فقط كما هو الرأي الشائع (=انظر مثلا
كتاب فاضل ثامر: المقموع والمسكوت عنه)، وهذا يعني بالضرورة أن
فك القيد لابد أن وان يكون بعامل داخلي أيضا، أي يكون حتى نقد
السلطة السياسية والاجتماعية والدينية، هو إسقاط قهري على ركود
النصوص، كعجز في النقد والإبداع وتكاسل عنه، باحث عن مشاجب
تتكدس عليها لغة العتاب والذم، كمن يعلق المفاتيح على الجدار
ثم يرجمه ويتشاجر معه!.
.........................
2ـ
قمع التحول وتحولات القمع :
ضبابية المشهد السياسي وتعقد
الإشكالية الأدبية في العراق، أرهقت المسيرة الشعرية الطويلة
والتي كانت رأس حربة الفاعلية الثقافية في هذا البلد، فكان كل
تحول أدبي بازائه تحول سياسي أو ديني، يخلق تضادا بين قمع
التحولات وتحولات القمع. لكن وكما أسلفنا في مستهل هذه
الأوراق، ليس بمعنى أن الواقع له كامل التأثير على النص
الأدبي، ولكن أيضا بمعنى كثرة مزاولة هذا الحقل الأدبي جعلته
يصاب بالضمور فضلا عن كون الشعر يحتاج إلى شفافية وبساطة ينوء
ظهره الترف عن حمل مهمة تفكيك أزمات بهذا الحجم، وهو أمر انتج
تصاعد كتابة الرواية والقصة والمقال بدرجة ملحوظة قد تؤدي إلى
تقلص الشعر لأول مرة في تاريخ العراق الثقافي. ولعل هذه أحد
أسباب تراجع كتابات البيانات الشعرية التي كانت تشبه بيانات
الانقلابات السياسية، فهذه أول مرة تتغير السياسة وتتزايد
بياناتها فيما الشعر يبقى صامتاً بالرغم من اتساع عدد الكتاب
وسهولة عالم النشر والإعلام!
فمثلا، من الأمور التي كان
ينتقدها الشعر العراقي (=انظر مثلا عبدالقادر الجنابي في
كتابه: انفرادات الشعر العراقي)، هو تعلق شريحة من الأدباء
اللبنانيين بمنسوجات الغزل البارد الدال على هشاشة الذات غير
القادرة على احتضان المعان المطلقة، بينما اليوم نجد كثرة في
النصوص العراقية تتمحور بأجمعها حول توترات عاطفية هشة تكشف عن
عصاب لفرط تكرارها كما هو حال نصوص عبدالعظيم فنجان (مثل نص
أغنيه ونص الحب، القصيدة نثرا) وبعض خواطر الهذيان والضجر لدى
منى كريم وغيرها الكثير من الكاتبات النوسيات ونصوص سعد جاسم
(مثل مغرم بغموضكِ)، وخواطر نعيم عبد مهلهل وبعض نصوص حاتم
عبدالواحد (مثل إليك وحدكِ) وغيرهم كثير سهل الاتصال الإعلامي
الحديث، نشر رسائلهم الغرامية العادية على مطية الشِعر وخواطره
النثرية التي باتت اليوم تحمل اسمه. وبكل تأكيد هذا لا يعني
وصم جميع نتاجات هؤلاء بذات الوصم أو يكون ذلك إقفالا في
قراءتهم من زاوية أخرى إذ ليس هناك منهج نقدي يدعي الإحاطة بل
الأساس النقدي ضد مثل هذا الادعاء أصلا.
أو نجد ذلك الانتكاس في الخروج
من حقل الشعر إلى حقل آخر مثل نصوص نصيف الناصري، انظر مثلا
مجموعة (الزمان الممتد بين الوجود والماهية) كنموذج.
فإذ يخلو كأس الشكل الكتابي من
البنية والمضمون الشعري فانه سيحاول الامتلاء بأمور الأخرى
ومظهرتها على أنها نوع من الأنواع الشعرية، بالطبع هذا إضافة
إلى نصوص الخواطر النثرية العادية جداً، والتي يتم تقطيعها
وكتابتها عموديا أو أفقياً ونشرها على أنها أبيات شعرية.
وبكثير من الجزم فان هذه ليست خصائص تمثل مشاكل النص العراقي
المعاصر دون غيره، وإنما هي اليوم باتت مظاهر عامة في النص
العربي اولدتها ظروف التوسع الإعلامي والتضييق النقدي.
وبغض النظر عن مناقشة ما
يقتبسه فاضل ثامر ص13 في كتابه (المقموع والمسكوت عنه في السرد
العربي): "تشير دراسة سيكولوجية حديثة إلى أن اتجاه الدولة نحو
المزيد من التمركز يقود إلى إضعاف الإبداع الثقافي، بينما تشير
الدراسة ذاتها إلى أن التفتت السياسي قد يدفع إلى نهضة في
الإبداع الثقافي".
فإننا بهذا إذ نكون إزاء واقع
سياسي اكثر خيبة، ومعاش اجتماعي اشد تنافر، فإننا نشهد نصوص
اعمق إبداعاً، وسرد اكثر غنى ومحبة ووحدة وطنية. لكن مع تصريح
لا لبس فيه عن التعدد الديني والاثني في هذا البلد. فيكتب وحيد
خيون قصيدة بعنوان (سامراء تبكي الليلة) اثر حادثة الاعتداء
على النصب الوطنية والأثرية الرمزية في مدينة سامراء والتي
كانت العملية الإرهابية الأشد خطرا في أن تؤدي إلى حرب طائفية
أهلية، وراح ضحية الإصرار الوطني في تغطية الحدث أول صحفية
عراقية في العهد الجديد، اعني (أطوار بهجت)، فيقول الشاعر وحيد
خيون هنا:
"
رأيتُ عيونَ سامَرّاءَ تبكي
أزيلوا الهمّ َ عنها والضَبابا
لقدْ حَمِلـَتْ نصاباً ثمّ
نأتي
نُريها مِنْ مَلامَتِـنا نِصابا؟
ألسْتَ ترى بها الأطفالَ تبكي
رجالَ الدِّينِ شيباً والشّبابا ؟
ألسْتَ ترى النخيلَ بها
يُعَزِّي
وماءَ النهرِ يجري والدّوابا ؟"
ثم يكمل :
"
أبا حَسَن ٍ وقبرُكَ ظلّ باباً
وما سَدّتْ لكَ الأيامُ بَابا
أُخاطِبُ قبْرَكَ النائي
كثيراً
وأعْرِفُ أنتَ تسْمَعُ لي خِطابا
فسُنـّتـُنا لهم حقّ ٌ عليْـنا
تـَقاسَمْـنا الرِّسالة َ والكِتابا
أُريدُكَ أنْ تـُؤالِفَ بينَ
شَعْبٍ
عِراقِيّ ٍ و تـُمْطِرَهُ السّـحابا"
في نص آخر بعنوان (بسم الله)
يقول احمد عبدالحسين:
"دعْ قنديلكَ الناطقَ
بالأعاجيبِ يضيء اسمَ العراق، ارفعْ خرقتَكَ التي عصبتَ بها
وجهَ بغدادَ، اجمعْ زينةَ الحربِ من عتباتِ البيوتِ".
وهو نص خال من أي تطور بالنسبة
لهذا الشاعر، إذ سبق أن كتب أحمد نص بعنوان (بابل مقلوبة)، وهو
نص مكتوب قبل الأحداث السياسية الجديدة في العراق:
"أضعُ بداهاتي قدّامكَ إلى أن
يسكنَ الرعدُ
إلى أن ترفعَ البوقَ من فمكَ وتصرخ في الشعب:
أما قرأتم قطُ في الكتب؟"
وهذا ذات ما سجله النص السابق
من كون رحمة المطلق(=الله) أمر تعرفناه محضاً في الكتب:
"وقد آن لنا أن نلمسَ قلبَكَ
قلبَك القديمَ الذي قرأناه في
الكتب."
وكما تجد ذكر المعدان في نص
بسم الله:
"
يا بئرَ العطش
دُلَّ الهدهدَ ، هدهدَ آبائنا
المعدانِ.... "
فانه امتداد لنص بابل القديم
ونص بابل مقلوبة يتفوق بكثير على نص بسم الله،
لا بصياغاته الاستعارية:
"ومالي لا أضحكُ؟
أضحكُ لهذه الصنائعِ الشاقّة:
أضحك لنافخِ البوقِ تحتَ خرائبِ بابلَ،
أضحكُ للغيم الأبيضِ يتوّجُ قلبَ ميديا بلا سبب،
أضحك لصبيةٍ لم يقلْ لهم أحدٌ أنهم شيعةٌ لكنهم تنبأوا بذلك،
أضحكُ لمعدان يحرثون أكتافَ نسائهم حزناً على ثأرٍ لم يبلغوه،
أضحكُ لمندائيينَ يخرجون من خيمة الإجتماعِ وعلى أيديهم دمٌ لا
يعرفون لمَنْ "
أما في نص بسم الله فتجده
تقريري جدا:
"وها أنتَ ترى إلى الآشوريِّ
منتحباً على أنقاض كنيسته، الرافضيّ مدمّىً في كربلاء،
والمندائيّ يستغيث بماءٍ سوف تجفّفه شمسُ الغرباء."
فكأن هنالك إرهاق من لدن
المثقف العراقي من الحديث عن مأساة بلده المستجدة، لذا تم ذكر
بسم الله لكن تغييب مشكوك فيه لـ(الرحمن الرحيم)، فالشاعر
يناشد تلك الرحمة المفترضة في زمن المحنة المفروضة.
طبعا لا ننس بان الشاعر احمد
طالب علوم دينيه(=وهذا ليس من تطورات الكتابة في العراق كما
يخيل للبعض اليوم، إذ يكفي الجواهري مثالا على ذلك) وهناك نص
لدعاء طقسي في تراث الفكر الشيعي الإسلامي، يقول:
(ومالي) لا ابكي.. ابكي) والتي
وان حاول أحمد قلبها صوريا (ومالي لا أضحك) إلا انه حتى هذا
التقليب الصوري سوف ينمحي، حيث سوف ينص الشاعر على صفة البكاء:
"وأعرف أن شعباً أحدبَ سوف
يتسلّلُ إليَّ
في هذه الساعةِ
ليشاركني البكاء. "
وهذي العودة إلى التراث الديني
شعرياً نجدها في مسرحيات احمد الياسري مثلا كما في مسرحية
(القس الأخير) أو النص المعنون بـ(الدم ينزف هادئاً) ـ وهو نص
مكتوب بعد مجزرة اللطيفية ـ، ونجده أيضاً لدى أديب كمال الدين،
فهو بعد مسيرة طويلة من استخدام آلية الحروف سوف يستخدم عنوان
(كهيعص) بالذات اسم لقصيدة تقول:
"صارَ للجّنِ قاموسَ موتٍ
مضيء.."
لكن
هنالك مفردة تلفت النظر في نص بسم الله المكتوب بعد سقوط
النظام البعثي:
"أما ملائكتُك الجوّابون
من زاخو إلى الفاو، الملائكةُ الملثّمون ذوو البراثن والأنياب،
فأرجعْهم بأحزمتهم
الناسفةِ إلى الصحراء،
واجعلْ لهم بئرَ عطشٍ يستقون منها إلى أبد الآبدين."
مثله مثل نص (وشم العقارب) لورود الموسوي،
والذي منه:
" نسيت أن المدن قناطر تحت أقدام الحفاة
وبعض المتسولين
نسيت أن تعلق وجهك وأنت تدخل متعثراً..
وأن المدينة أغوتك بوشم عقاربها..!
ما زالت البلاد التي كنتَ حنطتها
تنثر رماد أبنائها كل صباح
مازالت المفخخاتُ زادها اليومي
والعبوات الناسفة صديقة للأطفال وبعض العابرين..!
كلنا عابرون تحت أقدام المدينة..!
.. لست وحدك"
أو نص (أيها العنف إليك صلاتي)
لفائزة عبدالله سلطان، والذي منه:
"
ينفجر وطني
وأنت تعيدها "حبيبتي لا تخافي"
قلبي ينفطر
وأنا
هنا
انتظر عودة الملائكة
التي تحميك
من سيارةٍ
ملغومة
تبكي
على مقاعدها"
بل حتى في مقطع لنص تغزلي مثل
نص (أغنية لتحطيم انف العالم) لعبدالعظيم فنجان:
"
أقسم بالقمر
يرفرف جريحاً فوق رؤوس العشاق،
اثر انفجار عبوة ناسفةٍ في قلبه"
وهو وتر عراقي بات بارزاً
الآن وكأن هناك تعب وإرهاق من التطبيل للحرب والنصر ولو عن حق،
بعد مسيرة متعبة مع أيدلوجيا حزب البعث الذي اجبر الأدب
العراقي على كتابة موسوعات شعرية هي الأضخم في تاريخ الكتابة
والأدب، انظر مثلا مسلة الحرب لخزعل الماجدي الموجودة ضمن هذه
الموسوعات، وكذلك قصائد عبدالرزاق عبدالواحد وسامي مهدي، التي
هي جزء لا يتجزء من ذهنية عسكرة المجتمع والكلمة.
ويأتي الرفض العراقي تحولا
جديدا في نص مقموع من لدن الإعلامي العروبي الذي يحاول تغطية
المجزرة كي لا تفضح عورة القومية العروبية، وازاء تحولات القمع
من الحرب إلى الإرهاب، فتجد إصرارا عنيدا على رفض العنف فلا
نفاجأ ازاء مجموعة (على ظهر أسد بابل) لعبدالرزاق الربيعي
وكذلك مجموعة أخرى لشاعر آخر (قربان على مذبح آخر الآلهة)، حيث
تجد ذم العنف ومشتقاته أحد السمات الواضحة للأدب العراقي
الجديد بعدما كان يدعو إلى الخروج إلى الشوارع ورمي العالم
القديم بالقنابل حسب لغة فاضل العزاوي.
العبوة المفخخه.. الحزام
الناسف..الاختطاف.. التفجيرات.. الخ، هذه كلها تدل على قاموس
مفردات الإرهاب الذي افترش الأحشاء الداخلية للعراق أرضاً
وهاهو الحزن والغضب النفسي يعكسها نصاً. يقول ناصر الحجاج في
قصيدة غريب الأوجاع السالفة الذكر:
"
صار يغدو في موطني ويؤوبُ
للقرابينِ، للقبورِ نغني
فكأنّ الأمواتِ للأرض طيبُ"
بيد أن الإرهاب ليس حرباً
تقليدية حيث هنالك جيش وجيش كما في الحرب العراقية الإيرانية،
أو جنود ومدنيين كما في هجوم الجيش الحكومي لصدام حسين على
جبال الأكراد وأهوار الجنوب، وهذا ما حدى الأدب العراقي أن
يتنقل في أطوار تحولات ثلاث إزاء تحولات الموت العراقي:
ـ
الطور الأول؛ طور تهييج المشاعر للمقاومة
المسلحة، حيث كان الإرهاب مصطلح يطلق على حركات المعارضة
إقليميا ودولياً، وهذا ما نجده مثلاً في قصيدة مظفر النواب
(عبدالله الإرهابي).
ـ الطور الثاني؛ طور الانتقال إلى المشهد
العالمي الإنساني والوقوف أمام عصابات التخريب مثل قصيدة وحيد
خيون المكتوبة عام 2002
)الإرهاب)
وذلك في ديوانه (أغاني القمر).
ـ
الطور الثالث توجع الأديب العراقي ونحيبه أمام
مشهد الهجوم البربري للإرهاب على بلده بعد التاسع من نيسان
2003.
فنجد حتى شاعر حربي النصوص مثل
أحمد مطر يكتب قصيدة ساخرة ضد عقلية الشيخ الإرهابي. والأدب
هنا يقوم بدور التوثيق التاريخي للمقصي والمنبوذ إعلامياً
عربياً ومسكوت عنه ومتسخف به دولياً، كما هو حال اللوحات(=لاحظ
مثلا اللوحة الفوتغرافية عن الشهيد عثمان لإحسان الجيزاني)
والقصائد التي تناولت حادثة الإبادة على جسر الأئمة في بغداد
التي وقعت يوم 31\8\2005, مثل قصيدة عبدالكريم كاصد بقطعيها
اللذان كلاهما يحمل عنوان (الجسر):
"
تُرى هل يقفُ الجسرُ
أمامَ الله ؟
سيمرُّ به الأطفال
(حفاةً ..
عارين)
ولن يتذكّر..
ستمرّ به حورياتُ
النهر
(بلا أثداءَ)
ولن يتذكّر ..
سيمرّ به غرقى
(تلتفّ على أعناقهم الأعشاب
وحيّاتُ الماء)
ولن يتذكّر ..
لن يتذكّر ..
حتّى لو أقبل كلُّ الأحياء
وألقوا بمواكبهم ثانيةً في النهرْ
لن يتذكّر ..
(ما أتعسَ هذا الجسرْ!)
حتّى لو أثقل ظهرَهُ جبلٌ من
أحزان الأطفال
وأسمال الأطفال
وأحذية الأطفال
وجاء الربُّ بعرشهِ،
لن يتذكر
لن يتذكر هذا الجسر
...........
جسرٌ تحملهُ الأرضُ
(وقد يحملها)
ويكادُ يمسّ سماءَ الله
يراه
الطفلُ جناحاً
والشيخُ طريقاً
والنسوةُ حبلاً لغسيلٍ
ينشرن عليه ملاءات الليل
فلا يبصرن الهوّة
تلمعُ تحت الجسرْ
تُرى
من يبصرُ تلك الهوّةَ
تحت الجسرْ ؟"
الإرهاب
عصابة كره تعلن الإبادة ضد الجميع، فكان الأدب بجميع أقسامه
(=رسم..مسرح ..سيناريو.. رواية..شعر..الخ ) يقف ضده، وفي محنة
تعرض النص العراقي لقمع جديد من قبل الإعلام العنصري في بلدان
محيطة عديدة وتساقط آلاف القتلى مدنيين وعسكريين جدد، نجد ثمة
تحولات عدة، فمثلا نجد غياب مفردة الجندي (= فمثلا:في رواية
كيلزار نور المسماة بـ(عربة النار) لا تحضر الحرب إلا بأسطر
قليلة لتكون علة لما سيأتي من نتائج، وفي راية (تاريخ العائلة)
لحسين خضر، حضور الحرب باهت رغم أنها مذكرات جندي)، وحتى
الروايات والقصص والشعر، كانت في تلك الفترة نصوص نادبة أو
ذامة، بينما نحن الآن نجد جثمان الجندي بقرب المدني كلاهما
خلطت العبوة الناسفة أشلائهما فأصبحت مفردة الجندي نصيب وافر
من النص العراقي. تحت عنوان (قصة موت عراقي معلن) يقول شاكر
الأنباري:
"
منذ عقد التسعينات، وحتى فترة قريبة، ظل
"الجندي" بطلاً مفضلاً لكثير من
الروايات
العراقية، هذا لأن العقد الثامن والتاسع من القرن المنصرم،
كانا عقدي حروب مع الجيران. فالثامن أكلته الحرب العراقية
الإيرانية، والتاسع حرب الكويت وما رافقها من حصار وقصف بين
الحين والآخر، ثم اغلق القرن استعدادا للحرب الأخيرة التي شالت
النظام من جذوره، هو وحزبه ومناصروه وأفكاره ومفاهيمه. الحرب
الأخيرة حدثت في مفتتح ألفية وقرن جديدين الغي أثرها التجنيد
الإلزامي وصار الجندي الجديد يختار مصيره تطوعا."
وهذا يعني وجود نموذج ثالث
للجندي العراقي سوف يكون أحد بنائيات النص الجديد القادم،
يتمثل بذكر القوات العراقية الجديدة المحاربة للإرهاب (والتي
كانت مبغوضة أو مذكرات جندي هارب سابقاً)، وأفراد الطاقم
الأمني الذين حموا بأرواحهم صناديق الانتخاب مثل الرمز الوطني
الكبير الشهيد عبدالامير كاظم، بالإضافة إلى محنة الشرطي
والجندي العادي في الجيش الجديد، والذي هو ممتحن بين فقر الحال
وبهيمية عصابات الإرهاب التي تحاول هد كل بناء عراقي جديد،
وهذه كلها قصص وسرديات وأوضاع نفسية تغري الأديب في التوظيف
الدلالي وهي كلها تحولات نقلت هذه المفردات من الذم إلى المدح.
وبلا حاجة إلى تطويل تنبيه
بكون هذا التتابع لا يعني بان المثقف العراقي بات جزء من تكريس
هيمنة أدب الواقع، لكن حراجة الظرف تجعل كل نص لا يلامس صخب
بحجم الدمار العراقي، أقرب ليس إلى الهذيان وإنما من برجوازية
مقيتة تبخل حتى بالكلمات، بيد أن هذا يدلل في العمق وجود قمع
جديد، يتمثل هذه المرة بنزول الحلم الذي كانت تنتشي به النصوص،
إلى الشوارع، فإذا به كابوس أخطبوط. فحينما سقط النظام السياسي
الديكتاتوري لحزب البعث، لم تبن عورة السياسة وكون الجريمة
عائدة لطرف دون غيره، سقوط النظام اظهر (السقوط الاجتماعي)
الذي كان يتحدث عنه محمود البريكان الذي راح هو نفسه ضحيته
كفرد مختلف، واليوم يذهب الشعب ضحيته كجماعات خلافية. ولعل ذلك
هو ما يبرر (=مع الاعتراف بكونه حالة نفاقية أيضاً) بتحويل بعض
الكتاب العراقيين الأبطال إلى ضحية ما بين انتقالهم من الكتابة
داخل العراق إلى خارجه، كما هو حال فيصل عبدالحسن الذي نال بعض
جوائز النظام السابق حول سردياته عن أبطال نضاليين للدولة
القائمة، فإذا بهم يتحولون إلى ضحايا ومعارضة بعد أن خرج
الكاتب من العراق.
فهذا التحول سهله كون الجلاد
يحمل كيان الضحية في الأساس، وكون الضحية تحمل بذرة الجلاد في
الولادة، وهذا ما نلاحظه واضحاً الآن بعد سقوط النظام البعثي
وفضيحة خروج الدكتاتور عارياً. وما نجده في النص نجده في نفاق
الواقع حيث يتحول كتاب النظام السابق ومطبلوا حفلته إلى ادعاء
كونهم كتاب معارضة وتحول العراق من دكتاتورية الحكم إلى
دكتاتورية المعارضة، وهذه كلها تغيرات في النصي والواقعي تعوم
في تيارات التغيير في بحر جحيم المستحيل.
يقول عبدالخالق كيطان بصدد
تقدمته لمسرحية حوارية الأشباح:
"
يبدو من المبكر جداً إطلاق أحكام نقدية بصدد
القاموس اللغوي الذي بدأ المبدعون العراقيون استلهامه في
نصوصهم الجديدة التي كتبت بعد التاسع من نيسان 2003، وذلك لأن
هذا القاموس قد أخذ بالانوجاد إذعاناً لسلطة قهرية جبارة تحكمت
بهذه النصوص ومبدعيها على السواء. لقد ولى الزمن الذي يحبس فيه
المبدع العراقي، والمبدع بشكل عام، نفسه بعيداً عن مشاكل عصره
وهموم أبناء لغته بالدرجة الأساس. وفي الحالة العراقية فقد
أصبح كابوس الإرهاب الوافد والمقيم حالة يومية لا يكتوي بنارها
المواطنون فحسب بل المبدعين أيضاً، ولقد خسر المشهد الثقافي
العراقي بالفعل العديد من رموزه ومبدعيه بسبب الإرهاب بعد أن
كانت خسارتنا قبل التاسع من نيسان بسبب جور الديكتاتورية وظلم
الطغاة."
وفي هذه المسرحية نجد ليس
مفردات الخطف وإنما الأخطر: عدم قدرة احتمال أن يكون هذا هو
الوطن فعلا بالنسبة للمثقف، لذا يبادرنا نص المسرحية بالتضجر
والعتاب والتعب:
"ـ
قلت لها مرات عدة، لا يمكنني العودة إلى تلك
المدينة بغداد، إلى ذلك البلد الملعون.. قلت لها وكررت القول
ألف مرة. لا يمكنني.. لا يمكنني..لكنها لم تجد وصفاً تصفني به
إلا الجبن.. الجبن والخوف والاختباء والتراجع وحتى خيانة
الحقوق، وبماذا يمكن أن أجيبها وقد أكملت الثالثة والسبعين؟
تقول ماذا تبقى لك كي تخشاه؟"
وهذا الذعر ازاء التحول الجديد للقمع، تجده في
جميع المقالات التي كتبها المثقف العراقي مسجلا مغامرة دخوله
إلى العراق، وهنا سيُفاجأ بان العراق لم يكن له من تحقق وجودي
سوى في نصوص المثقف فقط، لذا لن يكون مفاجأ لنا أن نجد مجموعة
شعرية أو ما قلة أدبية تحمل عنوان مثل: زمان يتوارى.. أمكنة
تتوارى.. مدن تتوارى..الخ
فبعدما كان ديوان (طائر آخر يتوارى) لعقيل
علي يقدم انزياحية مشكلة الفرد المختلف، فإننا الآن نشهد نزوح
الاختلاف كجماعات تشكو من ورطة محنة الانتماء، إذ لم يعد (ما
تبقى منا) ذكرى أفراد وأصدقاء يتحدث عنهم الشعر (= انظر مثلاً
لمجموعة كمال سبتي الحاملة لمثل هذا العنوان)، وإنما بات السرد
العراقي متورط بتفكيك ما الذي تبقى أساساً من الوطن كوطن.
لذا تجد النص يبعثر كل شيء ويدونه ويحاوره
لمعرفة كيف تعمل ماكنة الخيبة هذه. فكان طبيعي أن نجد مفردات
مثل (انقطاع التيار الكهربائي) ومشكلة التناحر الطائفي، بشكل
ملموس وواضح في النص الجديد بعكس النص العراقي السابق الذي إن
تطرق إلى هذه الأمور فانه يكتفي منها بالرمز والتلميح فقط، ومن
باب نماذج لهذه المتابعة نقرأ في رواية (تاريخ العائلة) لحسين
عبد خضر، التي تموت فيها الأم اثر صراع نفسي مع أم زوجها
العجوز والتي تمثل ليس سلطة الخرافة فقط وإنما القسوة وسلطة
اللامعقول، لذا كانت هذه السلطة تتعقب أجيال العائلة وتحاول
قولبة أمنياتهم وطاقاتهم حسب مشتهياتها هي، في هذه الرواية نجد
مفردات مثل:
"
سمع طرقات العجوز تقلق سكون غرفته فرفع صوته
وهو مستلق على السرير.
ـ نعم يا أم محمود.
ـ العشاء يا ولدي.
نهض متثاقلا ليأخذ صينية الطعام. نفذت إلى
انـفه الرائحة المألوفة للبطاطا المقلية. كانت أم محمود تؤكد
على أنها طباخة جيدة، أما ما يراه الآن فليس سببه التقدم في
السن بل الأوضاع.
ـ أنت تعرف يا ولدي بان
الأغنياء فقط يمكنهم أن يتمتعوا في هذه الحياة.
ـ ولذلك سأؤجل العشاء
حتى عودة الكهرباء".
أو:
"تلقى سالم أمرا بالانصراف، لم
يقل المدير ذلك لكنه استقر في مكانه ثانية وهو يلهث. أدار سالم
ظهره دون أن يظهر أي اثر على ملامحه يدل على الاضطراب. ذلك ما
كان يجعل الغور إلى أعماقه أمرا مستحيلا، ويضفي عليه نوعا من
الهيبة.
كانت التقارير المرفوعة إلى المدير تؤكد على(أن
الأستاذ سالم المبارك مدرس مادة التاريخ يقوم بالدعوة إلى
مذهبه ويبشر به وهو ما يخلق
تناحرات طائفية تثير مشاكل
مستعصية)".
وبالطبع فان هذا يعني أن النص لازال يوظف
باعتبار أن أحد جل مهماته هو توثيق شجرة عائلة الإبادة فكان
عنوان (متحف بقايا العائلة) لكمال سبتي أو لحسن الربيعي، في
المرحلة السالفة، ومن ثم (تاريخ العائلة) لحسين خضر، في
المرحلة الراهنة (= نقول هذا رغم الرواية مكتوبة عام 2001)،
و(العائلة المقدسة) لحازم كمال الدين، تجسيدا لوعي أن الكتابة
نوع من أحصنة الدفاع ضد الاندثار.
وهذه السرديات النثرية
والتسجيلات الشعرية هي امتداد لنصوص الذاكرة التي كانت تمثل
فيما سبق رحلة الهروب من النظام البعثي ثم نصوص تمثل الحنين
للمكان الأول بعد الانصدام بان المثقف إذ يتحول من مكان إلى
مكان فان القمع يتحول في مواجهته بأدوات لا تهدأ في تحولها
وتتبعها.. ثم نصوص تسجل مرحلة الكائن العراقي في الشتات
والبلدان البعيدة، والبحث عن مصير يستعصي على إرادة تحولات
القمع هذه، مثلما تقول رواية (سنوات الحريق) ومنذ المفتتح
لسطورها الأولى:
"منذ أن جيء بي إلى هذا المكان
وأنا أعاني من أوجاع كثيرة لا تنتمي إلى جسدي، بل إلى مكان،
شيء، جسد بعيد، غير منظور، كما لو أن جسدي صار شيئاً لا علاقة
لي به(..) كان الجو الشتائي المكفهر المعتم، والليلي ينغرز في
كل مكان كنصب للوحدة الباردة التي تحيط هذا المكان النادر
والفريد بالنسبة لرجل هزل جسده من كثرة الأحلام حتى لم يعد
قادراً على حمل قميصه. أسوأ عدو للحلم أحياناً هو القميص أو
المعطف، فهو يشبه بوابة سجن، أو قفص حيوان مفترس. ليس هناك
اكثر شراسة من الأحلام حين تكون في الأسر".
فالأسر الذي تدل عليه
الحساسية المفرطة حد القميص والمعطف، هو ليس اسر مكاني بقدر ما
هو قيد نفسي وشعور بتعقد مسألة الانتماء والهوية وحراجة سؤال
الروح الإنسانية عن طاقتها التي لازالت عاطلة رغم تغير المكان
وتلون الزمان واللغة والشعب والقانون الحاكم و الدين والثقافة
والمجتمع. إن متابعة الوضع العراقي تلفت النظر المقارن، فلو
أخذنا مقطعا من رواية (عزلة اورستا) الصادرة عن دار الكنوز
الأدبية في لبنان 2001 ص71، حيث يتحدث بطل الرواية (الذي هو
جندي عراقي هرب من القمع الاجتماعي والسياسي) عن محنة المنفى
الإيراني ومأزق العيش تحت وطأة النظام السياسي الديني:
"..
المناخ العام، الحرب، الحرس، الرايات، هاجس انك
تعيش ف |