|
الوعي قعر الشقاء
حسين عجيب
يقتصر كلامي على الجانب الثقافي(أدب وفكر)
وإن تجاوزه إلى حالة سياسية أو أخلاقية، ستؤخذ كمثال للتوضيح
فقط. المنصة: الحالة العامة للثقافة العربية يمكن تشبيهها
بمدينة كبيرة وموزعة، في أحد أحيائها مسرح أو منصة مضاءة
دائما، ومختلف وسائل الإعلام والإعلان مركزة عليها. باقي أحياء
وجوانب المدينة في الظلام. من تصل أو يصل إلى المنصة، يصبح
الاسم أهم من الشخصية نفسها. الجدارة أحد شروط الوصول إلى
المنصة، ولكن أسبابا أخرى عديدة ومتنوعة، تتقدم سبب الجدارة.
الوصول إلى المنصة يعادل الحصول على شهادة في الطب أو الهندسة
أو الحقوق...الخ، تمنح فور الوصول للمنصة الشخصية العامة
يحددها الوصول إلى المنصة أو عدمه. مثال ذلك سوريا: محمد
الماغوط، سعد الله ونوس، حنا مينة، جلال صادق العظم، جورج
طرابيشي، كذلك علي عقلة عرسان، رويدة عطية، دريد لحام.
ولكن لنتذكر أن ثلاثة على الأقل: وجيه أسعد، فراس السواح،
رياض الصالح الحسين لم يصلوا إلى المنصة. وحده من الثلاثة
رياض، بعد ربع قرن من موته بدأ يقترب من المنصة. ذكرت
الثلاثة المتميزون لأختم هذه الفقرة بنتيجة: الجدارة وحدها لا
يمكن أن توصل إلى المنصة. الحلقة المفرغة: في الثقافات الأخرى
حدث هذا الأمر مع تشيخوف الروسي وبيسسوا
البرتغالي وكافكا التشيكي. وصلوا إلى منصات بلدانهم بعد
الموت, لكن(على حد علمي) انتبه أصحاب المصابيح: جرائد،
تلفزيون، صحفيون إلى ذلك الخلل، فانتشروا وأضاءوا بلادهم مع
بقاء المنصة كنصب تذكاري، يقدم الدروس أكثر مما يمنح شهادات.
في بلادنا، مع الأسف، الأمر عكس ذلك، يتسابق أصحاب المصابيح
بالأكواع والركب للوصول إلى المنصة. والمدينة تنام في ظلام
تام. هل يوجد سبب أساسي لذلك!؟.. أجل، إنه الجرح النرجسي. توجد
أسباب أخرى بالتأكيد، منها مصالح وحتى أطماع في الداخل والخارج
لكن الدوران في حلقة مفرغة سيستمر ما دام الجرح النرجسي
مفتوحا. ما دامت الجدارة سبب ثانوي ومتنحي أيضا، للوصول إلى
المنصة، لن ترضي جوع، حتى المقيمين فيها، إلى التقدير الذاتي
أولا والموضوعي ثانيا، ولن يصل أحد إلى الإشباع، وبالتالي إلى
البرء النرجسي. هذه هي الحلقة المفرغة التي ندور فيها جميعا
داخل المنصة وخارجها. عندما يتجه كلامنا وسلوكنا إلى الآخر
البعيد، نتكلم ونمثل كملائكة وليس كبشر أبدا. على العكس من
كلامنا وسلوكنا اليومي(المعيوش) والموجه إلى أشباهنا وأهلنا
نتناهش ونتبادل الاحتقار بشكل يفوق التخيل فعليا. كيف يتعامل
الزوج. وكيف تتعامل الزوجة. كيف يعامل الأطفال والمرضى
والفقراء والمهمشين في بلاد العرب أوطاني. هل نحتاج للتذكير
بالحروب الأهلية في السودان والجزائر ولبنان والاقتتال
الفلسطيني الفلسطيني أعتقد أن الشرح أو الإضافة ابتذال وكلام
مكرور. كسر الحلقة!؟ هل ثمة أمل…كل
فقر الخارج، مرضه وقسوته، يمكن تحمله بل وتجاوزه، على الشخص
المتوسط، لأن دفاعات الفرد محصنة بملايين السنين من المناعة
والتطور، وتتأسس على الميراث البيولوجي والغريزي وعبر مليارات
السنين اندمجت مع الجنس البشري نفسه، وجعلته أكثر الأحياء
قابلية للتكيف والمقاومة والتطور. لكن المفارقة المحزنة أن هذا
الفرد الآن: أنا ـ أنت. وهو أنت أنا هذا الفرد يرهقه ويرعبه
أقل انكشاف لضعف الداخل الطبيعي ـ الحاجة إلى الحب والخوف من
النبذ. والذي يعرفه الجميع كل على انفراد. ويقوم بعمل مضن ولا
يمكن احتماله طويلا: مراكمة الأقنعة، وتكرار أدوار تمثيلية
رمزية لها هدف وحيد هو تحويل النظر إلى وجهة معاكسة، التضليل.
عالم الداخل هش ويفرغ باستمرار، النبذ والاستنزاف يومي ومستمر
كذلك لأهم قيمة يحملها إنسان، ماهيته الفردية. معرفة النفس،
التقدير الذاتي، الثقة بالآخر، وضعيات جديدة لا يتيحها نمط
العيش التقليدي السائد. الطريق الموازي ـ سيرورة الرشد: تمر
سيرورة التحقق الذاتي، عبر العلاقة مع المفاصل الجوهرية، الأم،
الأب، الوطن، بثلاثة مراحل 1 المرحلة الأسطورية2 المرحلة
النزاعية 3 المرحلة الواقعية. ثنائية المقدس والمدنس تسود
المرحلة الأسطورية. الأم والأب والوطن، مقدسات، تربط الفرد بها
علاقة الواجب فقط تستبدل ألأم الفعلية والأب الفعلي والدستور
الوطني بمفاهيم مطلقة. معانيها لا تقوم في العلاقات الأسرية
والاجتماعية بل في النصوص، تحتجز في اللغة المحنطة. من هنا
تنشأ الطاعة والذل السائدين في الأسرة وفي الوطن وتبقى الشناعة
هي المرادف الأول للبدعة. في الطور النزاعي، بعدما تنتقل إرادة
الحقوق والمطالبة بها، من المستوى المضمر والمكبوت، إلى الظاهر
والعلن يصطدم الفرد بالتحريم الاجتماعي والقمع السياسي، وتتكشف
بالتدريج انتهاكات السلطة على المستوى الخارجي والجروح الرمزية
والإعاقات والعقد في المستوى الداخلي النفسي. هذا الطور مؤلم
وقاتم. من تسبب بالآلام العميقة هم الأبوين. ومن تسبب بالإحباط
والإخفاقات الكبيرة، هي الدساتير والأعراف والقيم والتقاليد،
هي الوطن. الأنانية، الكراهية، العدوانية، الخوف، الخزي،
الشره، مشاعر مكبوتة، ليست مبددة ولا ممحوة. ستظهر بالتأكيد
عبر الانحرافات والتعصب والقسوة والتسلط والعدوان. والتعرف
عليها ـ غير المريح ـ بل والمزعج جدا، هو السبيل الوحيد
لاحتوائها. ذلك ليس ميسرا لكنه ممكن. تكتمل السيرورة بنجاح، في
الطور الواقعي، وتتمثل بالنضج الوجداني والعقلي والفكري، سمتها
التسامح والثقة. علاقات التكافؤ والمساواة تحل محل علاقات
التسلط والتبعية والاحتقار. في هذا المستوى لا يوجد عظماء
وأسطوريون أو العكس، حثالة ومحتقرون ينبغي استئصالهم. يوجد فرد
سوي وفرد مريض، بالطبع بنسب متفاوتة. الكوميديا السوداء:
المفارقة في المجتمع السوري وغيره من المجتمعات الأبوية، في
الغياب الفعلي للأب وبدائله المجتمعية، في الأطوار والمراحل
التي يكون فيها حضوره الفاعل ضروريا وغيابه لا يعوض. ثم ظهوره
الشامل، في الطور اللاحق، بعدما ينتهي دوره الإيجابي، أي عندما
تكون السيرورة شارفت على نهايتها أو انغلقت بشكل محكم، ولم
يتبقى من الدور الأبوي سوى كتلة العطالة، التي تعيق التفتح
الواقعي للشخصية يقتصر حضور الأب في هذه الحالة على المعاقبة،
المجتمع يطالب الفرد بتسديد ديون للأب، الواجبات، الخضوع
والامتثالية، ويقتصر المسموح به على الطاعة، بعبارة أخرى تكرار
حياة الأب أليست كلمة بدعة، تعني شنيعة؟. الحل المتاح والذي
نؤديه بلا هوادة: ثنائية الظاهر والباطن، افعل أي شئ في
الخفاء، واحذر أن تتكلم أو تكتب في العلن. الشفافية حتى ككلمة
لم تظهر في المعجم الثقافي طيلة القرن 20. العادة السرية هي
العادة العربية الأشهر على الإطلاق.. مع الأسف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*حسين عجيب:
كاتب من سورية.
ajeebe@scs-net.org
|
 |
التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي
سعدون
العنوان
البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain.
الهواتف
(34) 696 62 96 12
(34) 630 28 63 33
البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com
|