مجلة ألواح

 
   

مقتطفات من :

رحلة علي باي العباسي إلى المغرب

ترجمة: اغناطيوس غوتيريث

 

   شتان ما بين الهندسة المعمارية العربية المغربية ومثيلتها الشرقية قديما وحديثا فلا أثر فيها لرشاقة النموذج الشرقي القديم ورصانته ولذلك تجدها موسومة بالجهل والغلظة. الأبنية المغربية مشيدة بدون تخطيط أو تنظيم وكأنها أقيمت اعتباطا في منأى عن مبادئ البناء الأساسية. وقد لاحظت ما يشوب النظام المعماري حتى في دور الوجهاء كإنشاء الدرج دون كوات (جمع كوة) تضيئها مما يستلزم إنارة المصابيح ليل نهار. وغالبا ما تكون الدهاليز ومداخل المنازل ضيقة ضيق الدرج نفسه على الرغم من أن المنازل واسعة جدا. وتتألف الأخيرة من فناء مربع يطوق اثنين أو ثلاثة أو ربما أربعة من جوانبه رواق يُكتَنفْ به، وتوجد في موازاة هذا الرواق حجرات خالية من أي فتحة غير باب يتوسطها ويطل على الرواق وهذا ما يفسر سبب عدم تهوية الحجرات. أما سقفها فهو مسطح ومكسو كالأرضية بطبقة من الجص، في حين أن الحيطان مصنوعة من الجير والحجر والجص إلا أن التراب الغني بالصلصال الممزوج بالماء هي المادة الأكثر استخداما. وتتمثل طريقة البناء في وضع قطعتين محاذيتين من الخشب لإسناد الحائطين ثم يضعون في وسطها خليط التراب والماء ويضغطونه بإحكام بواسطة مدقين كبيرين، ويألف لدى العمال أثناء مهمتهم هذه، الغناء على إيقاع ضربات آلاتهم. وبما أنه يصعب الحصول على روافد كبيرة من الخشب بسبب رقة أشجار البلاد وهشاشتها فيضطرون لإنشاء حجرات صغيرة وتصنيع هيكل السقف من الجذوع الرفيعة، إذ يوضع عليها القصب ثم طبقة من التراب والجص سماكتها بوصة واحدة، إلا أن مثل هذه السقوف لا تدوم طويلا فسرعان ما تنهار. الأبواب كذلك شنيعة الشكل والإنشاء وأقفالها من الخشب وسيأتي وصفها بالتفصيل في تقرير أعده خصيصا لهذا الشأن. كما أنهم لا يعتادون استخدام الحفر أو المراحيض بل يقضون حاجتهم في الحوش أو في أصيص.

 

المساجـد

  فيما يخص المساجد فلا تقلّ ثقلا وبدائية عن المساكن وهي تتصف غالبا بالبساطة وشحة مواد البناء والأدوات. على سبيل المثال، تجد في جامع طنجة فناء محاطا بالأقواس وتوجد في الناحية المقابلة للباب الرئيسي صفوف من العقود وتلتصق الواجهة بمئذنة تقع عند الركن الأيسر. إن الأقواس والسقوف منخفضة جدا ويمكن رؤية الهيكل البدائي الصنع. ولاحظت أثناء تفقدي للجامع عدم توفر الماء الصالح للشرب داخل الحرم فأوصيت بإلصاق دلو كبير بالحائط المجاور للباب وتثبيته بالقير والحصى ثم أودعته كأسا للشرب، وهكذا ساهمت في تجهيز المعبد وصيانته. وينزل أحد أبناء القائد في غرفة مبنية فوق المسجد ويتكلف بتحريك بندولين كبيرين وآخر صغيرا تستعمل للتدليل على توقيت الصلاة إلا أنه كان يعتمد للتوفيق بينها ودواران الشمس على مزولة قديمة جدا لا تسمح له بتعيين الوقت بدقة وإنما بالتقريب. لذلك وطوال إقامتي في طنجة أخذت على عاتقي تحديد مواعيد الأذان بالاعتماد على ساعتي. يطلق على المسجد اسم "الجامع" باللغة العربية أي مكان الاجتماع، ويلاحظ في آخرها المحراب وهو مقام الإمام الذي يؤم الصلاة وهو متجه إلى القبلة، ويقع على اليسار درج صغير يعتليه الإمام قبيل صلاة الجمعة لإلقاء الخطبة. وتوجد أيضاً خزانة ضخمة مقفلة فيها مصاحف وأصنافا أخرى من الأسفار الدينية ومنبران صغيران من الخشب يجلس عليهما الفقهاء من حين لآخر ليتلوا تلاواتهم على الناس. ويتدلى من أعلى بعض الأقواس ثريات ومصابيح من البلور الأخضر الرديء أودعت هناك دون نظام ولا هندام. والأرضية مكسوة بالحصران وتوجد خلف البناء بئر يخرجون منها ماء مج لا يستخدم سوى للوضوء. وسوف أتطرق للدين (الإسلامي) وطقوسه لاحقا لدى معرض حديثي عن فاس.

 

الموسـيـقـى

 إن الآذان الرقيقة المرهفة لن تجد شيئا ذا قيمة في الألوان الموسيقية السائدة في طنجة فتخيلوا عازفين فظين مجهزين بمزماري قربة أكثر فظاظة وخشونة منهما حتى يصدر عنهما نشاز لا تناغم فيه على الرغم من نيتهما عزف المقطوعة نفسها، وليس عندهم نظام موحد ولا أسلوب مرسوم لأنهم لا يسجلون ألحانهم وإنما يحفظونها عن ظهر قلب. وكثيرا ما يحدث أن يجرّ أحدهما الآخر لإيقاعه فيُكره الآخر على متابعته كيفما اتفق، والنتيجة نشاز يشبه صوت الآلة أثناء دوزنتها وضبطها. ورغم الضجيج المزعج المثار في الحفلات فإني أنستها في آخر المطاف بحكم التكرار بل أفلحت في تدوين عدد من ألحانهم الأكثر ذيوعا وفقاً لنظام النوطة الأوروبي، ومعظم هذه الألحان أساسها سلم الـ"ري". ومن المستحيل أن يحظى هؤلاء العازفون بطول العمر لأنهم يبذلون جهدا جهيدا لدى نفخهم في أبواقهم مما يجعل وجناتهم تنتفخ إلى أقصاها فيما ريقهم سائل بغزارة وبطونهم متوترة لكثرة الرياح التي يدخلونها فيها عنوة، ويكفي الانتباه إلى حركات بطونهم العنيفة لحساب مبلغ إعيائهم. وقلت في مقال آنف إن هناك طبلا يصاحب هذه الآلات ويحدث صوتا أجش كل أربع دقائق أو خمس أو، وهذا أكثر حدوثا، كل دقيقة، وأحياناً يُضرب ضربا منتظما غير متفاوت فيسمع باستمرار. ويُعتمد على هؤلاء العازفين لإحياء حفلات الزفاف والختان وأعياد الميلاد ومناسبات شتى، ولكن لايسمح لهم بحضور المساجد والمساهمة في الطقوس والشرائع الدينية وربما يعود السبب في ذلك، كما قال أحد الرحالة، إلى عدم رغبتهم بإيقاظ البارئ الخالد وإزعاجه!.

 

وسـائـل التـرفيـه

  مدينة طنجة خالية من وسائل لترويح النفس فتنحصر تسلية المغربي في الخروج من بيته صباحا والجلوس على الأرض في أحد الميادين أو الأماكن العامة في انتظار وافد يرغب إجراء حوار معه، وهكذا يشكلون حلقات يدور فيها الحديث طوال ساعات النهار. إن مسكني أصبح أثناء مكوثي في المدينة ملتقى يختلف إليه فقهاء المدينة لتبادل أطراف الحديث وشرب الشاي. أما القناصل وسائر الأوروبيين فإنهم يشكلون نوعا من الجمهورية الخاصة بهم المنفصلة عن المسلمين إذ يلتقون ليلا في سهرات لا يحضرها غيرهم. أما النساء المجبرات على الاعتزال عن مجتمع الذكور فلا يناط بهن سوى إطلاق الصيحات الحادة والنافذة من تحت ملاحفهن. إذا فرغ الأولاد من الدراسة وتقتصر عندهم على إجادة القراءة والكتابة اللتين تشكلان في نظرهم منتهى العلم والثقافة، طافوا به في الشوارع مثلما يفعلون مع الأطفال يوم ختانهم. وينظم أهاليهم حفلات عدة لا تخلو من تهليل النساء المعهود فيهتفن فيه للسلطان ولا بد أن أسجل أني حظيت أيضاً بهتافهن عندما كبر شأني عند سكان المدينة. ويعتبر هذا التهليل فناً بل موهبة ولذا فإنهن لا يتركن مناسبة دون أن يصرخن بأعلى صوتهن في ما يشبه نوعا من المبارزة تسعى كل واحدة منهن إلى إحداث العويل الأكثر طولا وحدّة. وكنت أسمعهن يمرقن جماعات أمام منزلي في الليل وهن يصرخن صراخا ثاقبا.

 

العـلـوم

 القراءة عندهم ليست متاحة للكل إذ تنقصهم المطابع، وزد على ذلك أن أبجديتهم غير منظمة وأنها تفتقر إلى حركات وعلامات الترقيم. عليه فإن سكان طنجة قابعون في غياهب الجهل، ولم أتمكن أثناء تجوالي في هذه الأقاليم من الالتقاء بأكثر من شخص واحد سبق أن سمع عن دوران الأرض. ويكثرون في كلامهم من الهذر والهذيان في شأن الكواكب والأجرام والسماوات ولا يفقهون شيئا عن الفيزياء. وقال لي واحد ممن يدّعون في العلم فلسفة يوما صادفني فيه أستعمل جهازا مركبا من الزئبق لمراقبة السماء، إن الزئبق مادة صالحة لإبادة الحشرات والجراثيم ثم علمني كيفية رشه على ثنايا الثياب فها هي في نظره قصوى فائدة الزئبق. ولا يفرق المغاربة بين التنجيم وعلم الفلك فيكثر عندهم المنجمون. ويجهلون الكيمياء جهلا كاملا وإن لم يندر من يزعم خبرته فيها. أما الطب فلا إلمام لهم به في حين تُعد معرفتهم بعلم الحساب والهندسة ضحلة جدا. ويفتقرون إلى الشعراء بل إلى المؤرخين ولذا فإنهم لا يعرفون شيئا عن تاريخهم في حين تبقى الفنون الجميلة ضربا من المجهول بالنسبة لهم. ويعتبر القرآن وتفسيره القراءة الوحيدة المتوفرة لدى أهالي طنجة، والمؤسف أن التشخيص السابق صادق للغاية فلا مناص من وصف أحوال هذه البلاد بالهمجية.

 

الأوليـاء الصالحيـن

صفة الولاية أو القداسة منزلة عند المسلمين أو قل إنها مهنة تُتخذ أو تُهمل اعتباطا. وقد تورث، كما يدل على ذلك انتقال ولاية أو سيادة سيدي محمد الحاج، وهو والي حظي بتبجيل أهالي طنجة لدرجة أنهم كرسوا له الزاوية التي ذكرناها سابقا بمناسبة حفل الختان، إلى شقيقه الأكبر، وهذا الأخير ليس في الواقع سوى داهية مكاّر. كان يزورني بين الفينة والأخرى لمسح جوخي وخطب وديّ في حين حسبت العامة هذه الزيارات فضيلة كبرى خصني بها وليهم دون غيري. وقد أصبحت زاويته والبستان الملحق بها مأوى (حرما) آمنا لأي مجرم يبتغي التملص من القضاء، ولن تجد مسلما واحدا يجرؤ على خوضها دون أن يتوضأ سابقا من بئر تقع بجوار الباب، إلا أني دخلت الزاوية بعض المرات ممتطيا حصاني وغير متوضئ بحكم نسبي السامي ومنزلتي الراقية. وتنعم طنجة بنعمة والي ثان محترم للغاية بات هو الآخر صديقا حميما لي. إنه رجل صادق مع نفسه فانتهى به المطاف بعد أن أكثرت من النقد والتوبيخ إلى الإقرار بأنه يستغل طيبة مواطنيه للاستفادة منهم. إني كنت أضاحكه سرا بساطة البشر وسذاجته وكان يردد مرارا أن وظيفة الأغبياء في هذه الدنيا هي تسلية الأذكياء. وكان ثمة والي صالح آخر يجوب الشوارع كالمجنون بصحبة جماعة غفيرة ورأسه مكشوف وشعره طويل أشعث، وكان يحمل باليد حبلا من الحلفاء وهو نبات ينبت بكثافة في هذه البلاد، وكان الرجل يوزع عند الطلب قطعا صغيرة من الحلفاء وكأنها نذور أو تحف. واتفق يوما أن التقينا في شارع من الشوارع ووضع في يدي حفنة من خيوط هذا النبات علامة لاعتزازه بي فلم يكن مني إلا أن ضممتها إلى صدري محاولا إظهار أكبر قدر ممكن من التبجيل وجزيل الشكر على هذه الهبة النفيسة. وفي مناسبة أخرى كنت أسير فيها بمفردي في أحد الأزقة أتاني غلام و طلب مني عملتين لشراء برنس مضيفا: "إني والي صالح ويمكنك أن تسأل خدمك أو أصدقاءك فسيتأكد لك خبري". ولم أكذبه وإنما ساومته وأعطيته عملة واحدة فقط. ويضاف إلى هؤلاء والي أهبل أو قل إنه يتظاهر بالهبل تجده دائما في الساحة الرئيسية معلنا عن نفسه بنعيب يشبه صوت البط، ويرتدي لباسا وسخا جدا وهو قادر على أن يرجع وقتما يشاء أطعمة ظلت طويلا في أمعائه. والعجيب في الأمر كله أن هناك مؤمنين غلاة يهرعون لابتلاع هذه الاستفراغات القميئة. وحكوا لي مرة أن هذا الرجل المقدس قد ارتكب أمام الملأ أعمالا لا تليق بالآداب والنظام العام... إن غباء الأهالي وغلوها في تقديس أوليائهم أشبه ما يكون بحكايات ألف ليلة وليلة. ويتناول الفقهاء والعلماء هذه المسألة بكثير من الغموض والتردد مما يؤدي إلى إبقاء الأهالي في ضلالهم المبين وذلك على الرغم من أنهم يعرفون حق المعرفة تداعيات هذه المعتقدات التي تعكس انحراف النفس البشرية.

------------------------------------------------------------------

*هذه مقتطفات من الفصل الرابع من رحلة علي باي إلى المغرب.

*أغناطيوس غوتيريث: (أغناثيو غوتيريث دَتييران) كاتب ومستعرب أسباني.

 

التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي سعدون

العنوان البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain
.

الهواتف
(34)  696 62 96 12
(34)  630 28 63 33

البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com

 

 

التالي | أرشيف المجلة | السابق