|
الدبـابـات تعبـر جســر الجـمهـوريــة
يحيى صديق يحيى
مازلت أذكر كل شيء، كأني
به اللحظة؛ عندما انتصب الرجل واقفا، ماداً ذراعيه، فاتحاً
ساقيه، بدشداشة صيفية بيضاء، يومئ رفضاً ويصرخ:"لا.. لا..".
فيما تعالت الأصوات من حوله:"عُد إلى مكانك.. أفسح لهم
الطريق.. سيقتلونك". إلا أن أياً من تلك الأصوات لم تجد لها
طريقاً إلى أذنيه مواصلاً حركاته الرافضة:"كلا.. لن يمروا".
كان فلاحاً من القرى
المتناثرة على أكتاف السدة عند مدخل المدينة. قال أحدهم انه
رآه يركض عبر المزارع حين لمح الرتل يصل أطراف القرية.صاح به
الملأ ملوحين بالعودة،ولم يلتفت، لم يكن يلوي على شيء.. الجنون
أو الموت، أياً كان، بدا الآمر سيان!. كانت الطريق الممتدة على
السدة الترابية تعج بحشود الناس التي غادرت منازلها، رجالاً،
نساءً وأطفالاً، راجلين أو مستقلين مركبات، آليات زراعية،
دواب، دراجات هوائية، خطو يتثاقل، يبطئ، يغذ السير، وجوه
متعَبة، أجساد هدها الحزن، بكاء أطفال، أصوات رجال ونسوة
متلفعات بالسواد أو سافرات، بعض منهم يلوح برايات بيضاء. سحب
ترابية علت الحشود الزاحفة لتخيم فوق الرؤوس. وكانت الأرتال
العسكرية تتقدم طوال الطريق الممتد على السدة في الجانب
المقابل كسرب دود زاحف نحو المدينة بينما راحت الدبابات
والطائرات تنهش بقذائفها جسد المدينة واحتل دخان الانفجارات
سماءها.. كأنه مشهد مستعار من فيلم أو لعبة قذفت بها شاشات
الكمبيوتر.. أو أي شيء من شطحات الخيال سوى أن يكون الحقيقة.
"آلاف الدبابات تعبر جسر الجمهورية..". انسل الكلام مُراً عبر
المذياع الذي توسط مائدة الفطور. تطلع أحدنا بوجه الآخر، غصت
الحلوق. أضاف الصوت عبر إذاعة لندن:"لقد اُحتُلَت المدينة
بالكامل وسط أنباء تؤكد هربَ..لا أحد يعرف".
كنا ثمانية نقيم في منزل
يقع أطراف المدينة قرب طريق للمرور السريع أسموه موقعا بديلا
وقالوا:"عليكم أن تتهيئوا للقتال، ستصلكم الخطة، انه وطنكم، لا
مكان للـ..".
في مساء الليلة السابقة
لمغادرتنا كنا جلوس نرقب ما يجري وتتقاذفنا هواجس شتى. أصوات
تتناهى من الطريق السريع: الله أكبر، عيارات نارية، ضجيج
موتورات. استمر الصخب ساعة. وفجأة هدأ كل شي فبتنا نسمع هدير
دبابات تمرق مسرعة "سيدي، سأخرج إليهم، لقد دخلوا.."صرخ
فرحان"عد إلى مكانك، سيقتلونك" هتف به الجميع.
مزيج من الهول والفوضى، لم
يكن لدينا ما نقوله أو نقوم به، أخرسنا الذعر وغمرنا صمت ثقيل.
خرج فرحان من الغرفة يبحث عن سجائر، كان قد ترك التدخين منذ
زمن بعيد، أشعل واحدة وراحت عيناه ترقبا خيط الدخان. كان الحي
الذي نقيم فيه مهجورا منذ أن بدأت الحرب، لا أحد يؤنس وحشة
البيوت غير صوت الريح المداعب لأشجارها، أو مسير قطةٍ كسيرة
تموء على سياجها. وفي الليل تأتي الكلاب من البعيد، تهرول في
الشوارع الخالية أو تُقعي عند مشارفها لتطلق عواءها الذي غالبا
ما يذوب في أصوات القصف. لمح دموعاً في عينيها، كانت تجاهد كي
تبعد همسات باكية ورغبات مخذولة، عندما وصل نهاية الشارع
المؤدي إلى المنزل كي يأخذ سيارة تُقُلُهُ إلى الكراج، التفت
إلى الباب الموارب، كانت ما تزال وطفلته واقفتين تشيعان
بنظرتيهما خطوات خُيّلَ إليهما إنها ستغرق في أتون الفوضى ولا
تعود، أحس بدمعة لسعت مآقيه.
"لابد من مغادرة المكان
فوراً".
قال محسن: ليس بعد، علينا
ألا ننسى إننا عسكر مهنتنا الموت.
أردف جاسم: الموت هو ما
نحن فيه. كيف نقاتل؟! أين القيادة؟! أين الآخرون؟!. ليس من
الحكمة أن نتسرع، لننتظر. ـ لن انتحر، فعلوها من قبل، هربوا
وتركوا الجثث تنهشها الكلاب وحصدوا ما ظنوه نصرا، لابد من
المغادرة.
مرت ليلة ثقيلة الدقائق
والثواني، كنا نتحرك داخل المنزل كالأشباح، نتحاور بانفعال،
نتعاطف، وحَّدنا الإحساس بالفجيعة، شرذمة تركها الركب وسط
الخراب ومضى.
في الصباح كنا على موعد مع
تلك الجملة / الوشم التي انسلت من المذياع بمرارة:"آلاف
الدبابات تعبر جسر الجمهورية".
نزعنا بزاتنا العسكرية، ودع
أحدنا الآخر، مغالبا دموعا توشك على الانفجار وغيبتنا الجهات
الأربع. "عد إلى مكانك، سيقتلونك". عاد الصوت من جديد.
أُطلِقَت عيارات نارية عديدة عند رأسه وقدميه، تحركت أيدي
الجنود بمختلف الإشارات قوةً وتحذيراً، إلا أن الرجل ذو
الدشداشة البيضاء بقي مسمرا في مكانه وسط الطريق، يومئ برفض
قاطع وهو يصرخ:"لا.. لا.. ل..".
فجأة
ترجل أحد الجنود من العجلة الثالثة للرتل، سار بخطوات بدا فيها
واضح القرار، أخرج من عروته مسدسا، سدده إلى جبهة الواقف في
منتصف الطريق، ضغط على الزناد، سقط الرجل ملطخاً بدمائه..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يحيى صديق يحيى:
كاتب من العراق.
yahya_tr2004@yahoo.com
|