مجلة ألواح

 
   

حوار  مع فنان العدد

خالد خضير :

الجيلية في الفن التشكيلي لا تصمد أمام قوانين الإبداع!

 

حاوره: وديع شامخ

 

ـ بدأت رساما- مخططا، وها أنت منصرف الآن كليا إلى النقد. ترى هل تقدم الناقد فيك على الرسام؟

- ليس كليا تماما، فأنا رسام الآن ، لكني لم أعد مصورا، والفرق في لغتنا العربية ملتبس، فالرسام هو المخطط، الكاليغرافي، بينما المصور هو الملون، وكما هي الحياة، تجد أن الحدود بين هذين العنصرين ليست حدودا واضحة، سراطا مستقيما، ولكن يمكن على أساسه وضع الكرافيكيين والحر وفيين (الذين يمارسون الحروفيات ككاليغراف في الرسم) والمخططين (الذين يستخدمون الأقلام بأنواعها، وحتى أية أداة تنتج أثرا على سطح) في فئة واحدة هي فئة الرسامين ، وبهذا لا أكون قد هجرت الرسم فأنا أنشر بصورة مستمرة في صحيفة الزمان، وأن كانت الكتابة قد أخذت جزء كبيرا من جهدي . إن إدامة وجود علاقة متوازنة بين الرسم والإبداع بصفة عامة والنقد مسألة تتطلب جهدا وبنية عقلية قادرة على الاشتغال على نمطي الإبداع: السامي و النثري معا، وتلك قضية تستوجب نمطين من الأنشغالات العقلية، بينهما مسافة، وأنا أعتقد أن خير من جمع تلكما الصناعتين، في الفن التشكيلي العربي هو أستاذنا الفنان الناقد شاكر حسن آل سعيد.   

 

ـ الشعر والرسم صنوان. كيف تفهم العلاقة بينهما؟

- أن فهمي للعلاقة، بين الشعر والرسم تنبع من فهمي للعلاقة بين السامي والنثري، فأنا أقسم الفعاليات الإبداعية الإنسانية إلى: إبداعات سامية، وتضم، مع ما تضم، الشعر والموسيقى والرسم، بينما تضم الأخرى النثرية وهو اشتغالات الفكر والمنطق، و لكن الحدود ليست بتلك الدرجة من الفصل الحاد ، فليس معنى ذلك انك لن تجد في الرواية شعرا ، فأنا أعتبر رواية (الطاعون) التي توفر لها مترجم بارع هو الدكتور سهيل إدريس، واحدة من النصوص الشعرية، رغم كل المشاهد المقززة التي تحتويها، ويمكن أن تجد  في الرسم بقايا نثرية يعتبرها البعض جزء جوهريا في الرسم، وما هي كذلك فهي عناصر دخيلة، ولكن قد لا يكون هنالك مفر منها مثل وجود اللغة في الشعر ، فهل يوجد شعر دون لغة ؟، وأنا أقصد باللغة العناصر النثرية، في الشعر.

 

ـ إذا كان الأسلوب التجريدي يمثل مرحلة متطورة لنضج الرؤيا في صناعة اللوحة،لكنه تحول إلى حمار يمتطيه من يشاء. كيف تقرا اللوحة التجريدية؟

- لا أخفيك أن هذا واحد من أصعب الأسئلة، ولا أعتقد بوجود جواب معياري له، إنما تكون لخبرة الناقد الفاعلية الأهم في اكتشاف وفرز التجارب الناضجة من الفجة، وهي طبعا عملية شاقة بما فيه الكفايةّ !! ومن الممكن أن تكون قد دخلت تحت غطاء التجريد تجارب غير ناضجة مستغلة الفوضى السائدة وضعف الثقافة الفنية واستسهال نشر المتابعات النقدية الانطباعية والتي غالبا ما تكون مؤسسة على تعميم الذوق الشخصي والعلاقات العامة وأنا اعتقد لا بقاء إلا للإبداع الحقيقي سواء في الإبداع أو الكتابة عنه.

 

ـ ما هي موجهاتك لقراءة اللوحة؟

- ان أهم الموجهات التي أحاول أن اتبعها في كتاباتي هي دراسة التكوين (بنية) اللوحة وهو ما كررته عدة مرات في كتاباتي بمحاولة دراسة طوبولوجية اللوحة التشكيلية، وهو منهج يحاول أن يكون نابعا من الخيال ذاته وليس مفروضا من خارج البعد الجمالي والبصري للوحة وبشكل قسري مسبق، لكن، ومع كل هذه الاعتبارات، فأنا اعتقد انه لا توجد قراءة بريئة.

 

ـ في كل مقالاتك لم تبحث عن الرسامين الشباب، هل أراك تكتب عن الأسماء الجاهزة والمسوقة أصلا في المشهد التشكيلي العراقي؟

- لا أعتقد أن مثل هذه الجيليات مقبولة أمام قوانين الإبداع، فالفنان المهم يفرض نفسه على الناقد، والفنان أيضا يجب ان يعي نظام الوسيط – الناقد وتقوم (الشهرة) فيه من خلال ( إقامة معرض شخصي في صالة عرض خاصة ، يصاحب  ذلك ملحوظات إطراء في الجرائد والمجلات) كما يشرح ذلك الناقد إدوارد سميث، وهذا يعني أن على الفنان أن يتعلم كيف يسوق نتاجه، والنقد هو جزء جوهري في هذه العملية. يسرني أن أطلع على تجارب أي فنان ، وأكون شاكرا لكل من يتصل بي ليطلعني على تجربته أو موقعه على شبكة الإنترنت أو أية فعاليات يمكن أن تساهم في فائدة الفنانين.

 

ـ ما هي برأيك أبرز المرجعيات التي شكلت أساس التحولات الأسلوبية الحديثة في الفن التشكيلي العراقي؟

 

-  إن تحوّل الفن العراقي من الرسم الشعبي إلى تقاليد اللوحة المسندية (لوحة الألوان الزيتية) هو الخطوة الحاسمة في تدشين الحداثة في الفن العراقي، وهو يعود إلى سفر الموفدين الأوائل لدراسة الفن التشكيلي (اكرم شكري، فائق حسن، جواد سليم....) ومن ثم تأسيس معهد الفنون الجميلة، وكانت مرجعيات هؤلاء ملتبسة بشكل مربك، فلقد كانت سطوة الإشكالية الحضارية لعصر النهضة العربية و(الموازنة المقدسة بين التراث والمعاصرة) تثقل كاهل هؤلاء ، وكان تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث 1950-1951  مصطبغا بجوهر خطاب هذه الإشكالية، وقد مثل جواد سليم رأس الحربة في إيجاد (نموذج تشكيلي عربي!) تتحقق فيه هذه الثنائية ، التي هي ليست شرطا من شروط الرسم (والنحت) بأية حال، ولكن لا أحد كان يجرؤ على قول ذلك علنا !!، وكان اكتشاف الواسطي، من قبل جبرا إبراهيم جبرا وتنبيه جواد سليم عنه، كان كافيا كمفتاح لحل تطبيقي لهذه المشكلة من قبل أوساط الفن التشكيلي، فقد أتاحت الاحتفاظ بدرجة (مقبولة) لدى الفنانين، وهم تعبيريون بالأساس، ولدى المتلقين الذين يبحثون أولا عن تشابه مع أشكال الواقع، وأخيرا كانت تلك الأشكال تذكر بالتراث! وفيها (تكنولوجيا) الحداثة متمثلة بالألوان والأدوات الأوربية!

لكن حلول جواد سليم، ونحن نتحدث عن الرسم اكثر من النحت، لأن مشكلة النحت كانت أشد تعقيدا ونؤجل الخوض فيها الآن، كانت يجب أن تكون بمقام (المقترحات) ويجب أن تتواصل، بحيث يقدم كل رسام مقترحه الخاص، بينما الذي حدث أن أضحت حلول جواد (أنساقا) و(نصوصا أولى) يستمد منها الفنانون المحيطون به (أشكالهم)، مع بعض التحويرات الطفيفة، فأصيب الفن العراقي الحديث بحالة من العقم والتناسخ الداخلي.

 

ـ لقد شق شاكر حسن آل سعيد عصا الطاعة عن بيان ومفاهيم (جماعة بغداد للفن الحديث) في بداية الستينات مشتغلا على مفهوم البعد الواحد للوحة وفتح آفاق التجريد رسما ونقدا. ما هو برأيك سبب هذا التحول؟

- ليس فقط شاكر حسن آل سعيد ، بل وكل الفنانين الذين كانوا يدركون ان ليست هناك علاقة بين  الفن وبين طروحات النقد في (وجوب تحقيق موازنة بين التراث والمعاصرة) لكي لا تميل كفة واحدة على أخرى، من هؤلاء مثلا: كاظم حيدر الذي طور أشكاله ولكنه أبقي موضوعاته بشكل مقبول رسميا وجماهيريا، بينما اختط فائق حسن لنفسه أسلوبا انطباعيا يعتمد فيه على مهارته التقنية.

 

ـ شهدت الستينات تمردا آخر قاده فنانون منهم (جماعة المجددين) مثل: علي طالب، صالح الجميعي، فايق حسين، محمد مهر الدين،  للخروج بالفن التشكيلي من ربقة جماعة بغداد لكن نقاد ذلك الوقت لم يواكبوا ولم يفهموا هذا التطور الجديد. ما الذي تعتقده بشأن ذلك؟

:-  لقد كان النقد التشكيلي ممثلا لفهم (رسمي) للفن ولدوره الإجماعي و(النضالي!) في سبيل تقدم الأمة!! وذلك راجع برأيي إلى سيطرة القوى السياسية للأحزاب والحكومات على مجمل الفهم الرسمي للرسم ودور كل من الرسم والنقد، فقد كان النقاد ومازال عدد كبير منهم مدفوعين بمسبقات نقدية (يفصّـلون) عليها تجارب الفنانين. بل كان عدد منهم يحاول ( تأسيس مدرسة عربية للنقد التشكيلي)، هي في حقيقتها تكريس لمعطيات تمسكت بها القوى المتنفذة لتوفير أغطية فكرية لممارساتها المنحرفة ليس تجاه الفن فقط. لقد شكلت طروحات العديد منهم قوى كابحة لانطلاقة الفن العراقي.

وأنا أوافقك الرأي ان التحول الأهم في الفن العراقي قد حدثت بمجيء (جيل الستينات)، وهي تسمية أتحفظ عليها إذا استخدمت كما تستخدم لأهداف تأريخ الأدب والشعر في العراق، وقد كانت أجواء الخامس من حزيران تلقي بثقلها على الواقع العربي، فظهرت مجموعة من الرسامين الشباب وقتذاك، ومن أبرزهم جماعة المجددين، وهم تعبيريون أساسا، إلا أن أهم المرجعيات التي استندوا عليها: رفض الهيمنة التي أسميتها (آيديولوجمالية)، باعتبارها شرطا مسبقا من شروط الرسم!!، ثم افتقارهم القدرة عل استساغة فكرة اعتبار اللوحة شيئا مستقلا، لا تقليدا لشيء آخر (أشكال الواقع)، والأمر الأكثر خطورة وثورية، اعتبار الرسم مغامرة تقنية في كيفية استخدام المادة على سطح اللوحة، بينما كان جيل جواد سليم تقليديا في استخدام المادة، وكما هو معروف ان أهم ثورات الفن هي في التنوع الهائل في استخدام المادة والجرأة في ذلك، و لن أخفيك ان ما هو مطروح من نقود صحفية مصابة بفقر الدم المعرفي والجمالي والذي يداري خيبة فشله في قراءة اللوحة بالتعكز على طروحات أيديولوجية يتم تفصيلها بمقاسات جاهزة تصلح لكل أنماط الإنتاج الفني والمنتجين.

 

ـ إلى أي مدى تأثر المشهد التشكيلي العراقي بهجرة المبدعين ؟

ـ إن هجرة المبدعين العراقيين تنطوي على مزية مهمة في توفير جانب إيجابي في اطلاع الفنانين على تجارب فنية في البلدان التي هاجروا إليها، كما وفرت لهم فرصة الاتصال بالفنانين العالميين وبشكل مباشر وزيارة كبريات المتاحف والمعارض الفنية في كل أنحاء العالم، كما أتاحت لهم الحرية الكاملة في إنجاز تجاربهم وكان منجزهم محظوظا بالمتابعة النقدية التي حققت لهم الانتشار والذيوع وهذا بدوره أدى إلى اقتناء أعمالهم في مختلف المتاحف والكاليريهات العالمية، أتاحت لهم الاشتغال بمواد لم تكن لتتوفر لهم في العراق وخاصة في فترة الحصار.

 

ـ ما رأيك بخضوع الفنان إلى ذائقة السوق واشتراطاتها خارج رسالة الفن الجمالية؟

ـ إن هذه واحدة من المآسي التي يعاني منها الفن والفنانون في كل الأزمنة، بسبب الوضع الاقتصادي واضطراره أحيانا إلى إنتاج لوحة مقبولة من المقتنين وذائقتهم وربما طلباتهم!!، ولكن الفنان يحاول دائما تحقيق قدر من الموازنة والاحتفاظ بمنجز خاص عير خاضع لتأثير هؤلاء. وأنا اعرف فنانين يضطرون إلى إقامة معارض، في نفس الوقت لأنماط مختلفة من نتاجاتهم تتلاءم وأنماط متفرقة من التذوق.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وديع شامخ: كاتب عراقي يقيم في عمان.

 

التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي سعدون

العنوان البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain
.

الهواتف
(34)  696 62 96 12
(34)  630 28 63 33

البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com

 

 

التالي | أرشيف المجلة | السابق