اللهاث الأول
ابتسام تريسي
على شمعة نحيلة قضيت الهزيع
الأخير من ليلتي الكئيبة هذه ..
انتظرت كعادتي .... الانتظار
ملح حياتي ..
ارتسمت ظلالها المتراقصة على
جدران ذاكرتي.. انداحت قطرات مرة في بحيرتي الراكدة، قابلتها
وحيدة، حرقتها تستقرُّ في قاع الحلق، تمنع البسمة، تقف حاجزا
في وجه الأنفاس المضطربة، أشعر بالاختناق ...
أفتح النافذة لبرد المساء
وذكرياتي..
تبدأ ليلتك السابعة بإرهاق
يستنفذ طاقتك على الاحتمال، تبدأ ليلتك المائة بالدخول في
غيبوبة الحضور، غيابك وحضورك سواء.. صمتك أبلغ من كل اللغات ،
وطاحونة العمل تدوسك بقدمي الحاجة، ببطء يتعرى احتراقك، بسرعة
خاطفة تتناسل صور المستقبل أمام عيني مشوهة ً باردة ومليئة
بالحياد ..
تدخل عبرها، تنفض تعبا أزليا،
تحتفظ بغبار الوقت على ملامحك، تندس في الفراش رافعا قدميك،
أقلب نظراتي في أرجاء الحلم، في همس الشارع، في اشتعال ٍ يؤجج
أحشائي.. وأمضي إليك مكابرة..
تجاوزت حدود الأمس الغائم
عندما سطعت خيوط النهار واضحة فأحرقت متعتي..
حاولت مرارا التغلب على خوفي
وقلقي، الزمن الذي حفر أخاديده الغائرة في بشرتي، يقول لي: (
لن يكون ذلك سهلا )!
أخترق حواجز شائكة تقف في طريق
كلماتي، أحاول الوصول إليك كما أنا، لكنك دائما تملك اعتذارا
مُزيلا باصفرار وإرهاق، مصحوبا بطلب الهدوء لأنك تريد النوم!
ضجيجي لم يكن يؤثر في سكون
جسدك المتعب..
تقلبي، احتراقي، صمود الجحوظ
في عيني حتى ساعات الفجر، كل ذلك يزيد شخيرك امتدادا في فضائي،
يوسع الهوة.. ويهيل التراب..
تكرُّ الأيام.. توالي الشموع
حركة الانطفاء الروتينية.. أتسلل إلى الفراش نازعة رغباتي،
مرتدية قناع اللامبالاة حفاظا على كرامة وهمية!
لم أناقش يوما موضوع الكرامة
تلك مع نفسي، وما اضطررت لمناقشة برودك في استقبال لمساتي! كل
شيء كان مسلما به.. كل منا يعرف الحدود التي تنتهي عندها
الأحلام وتتلاشى الرغبات في تعامله مع الآخر.
كثيرا ما حاولت اختراق الأسوار
الرمادية العفنة ببدء البوح عن..
غالبا ما كنت أنهي حديثي عند
انطفاء نظرة عينيك المكابرة وهي ترصد بقع الجدار وأحلاما تخصك
وحدك، لم أدخل مرّة تفاصيلها، ولم أدرك إلى أيّ التيارات تميل.
كنت أدرك شيئا ً واحدا، اصطدام صوتي بجدرانها السميكة وعودته
إلى حلقي يائسا...
الحيرة لم ترتدي ثوب القناعة
يوما، لكنها بدت لك رضى بقسمة الظرف المقيت الذي يضطرك للعمل
المتواصل طوال النهار وحتى ساعة متأخرة من الليل.. لم أسمع
أنينك يوما، لكنّ شحوبك وتداعي ساقيك، وارتماءك مرتجفا في دفء
الفراش دون أن تشرب قهوتك ، يخلعان قلبي، ويبعدان يدي، ويخرسان
رغباتي.. أرتدي جمودي، أطفئ الشمعة، وأتابع رحلة التحديق في
العتمة...
في ليلتك الأخيرة، رفعت رأسك
من سباته، طلبت كأس ماء.. و..... !
المفاجأة عقدت لسان الرغبة
وسمّرتني على حافة التردد... وأبعدتك إلى حيث لا أستطيع تلبية
لرغبتك!! وكأي محكوم بالموت، سرت لتنفيذ حكم الانتظار مغمسا
برائحة الشيب، والعجز..
برد الليل يتسرب دافعا الدمع
في عيني..
الريح تطفئ الشمعة الهزيلة،
طيفك يغادر ببطء..
وحيدة أندسّ في الفراش، ولا
شخير يحرّض النهار على النهوض من غفوته..
عيناي تحتفظان بجحوظ مترقب
للمسة خاطفة ترميها يدك في حركة لا إرادية فوق جسدي.. فتشعل
بركانا ً، وأحتوي الفراغ..!.
(2003)
------------------------------
* ابتسام تريسي:
قاصة من سورية.
|