مجلة ألواح

 
   

بياني وحـدي

جمال جمعة

 

 ( 1 ) الكتابة دفاع عن النفس في شكل هجوم. هجوم ضد اللامعنى. انكفاء إلى الداخل وارتدادٌ أشدّ عمقاً، ارتداد إلى داخل الصدَفة لصدّ أحجار الآخرين فلا تصل الرأس ولا تصل القلب.

   القصيدة اعتقال عين القارئ برهة وجيزة للنفاذ إلى قلبه وغسل دماغه بمعنى آخر للحياة نحن نحدده، نحن نصوغه، نحن نسمّيه. معنىً مبتدع مرهون بآنيتنا قد نرفضه غداً، قد نناقضه بكتابة آنية أخرى تعيد صياغة منهج الحياة في قلوب الآخرين التي سنعتقلها غداً. الشعراء الجيدون إرهابيون. القصيدة اعتقالٌ دائم وغسل دماغ.

 

 ( 2 ) الشاعر لا يقرّ الشاعر. الشعراء إرهابيون لجهات مختلفة تتسابق لاجتياز الآخر وتقليم أظافر كلماته، تحديد فاعلية نصه بنص آخر أحدّ تكنيكياً، أدقّ إصابةً في موطن القلب، تسابقٌ حثيث لصيد الرؤوس. الشعراء عملاء الآتي ومرتزقة ما مضى. عناوين براقة ومطالع مغناطيسية،طعوم لصيد عواطف البشر والإندساس فيها. إقناعٌ قسريّ بعقيدة القصيدة..(هل للشعر عقيدة ؟).. النقّاد أعداء للشعراء. كاشِفو مصائدهم ومفككو ألغامهم، خبراءٌ لحرب عصابات النصوص، محرضوهم على ابتكار ما هو أغرى من الجبنة وأعقد من الديناميت لقنص القرّاء من أهدابهم، لخلخلة الأرض تحت عقائدهم، مسلّماتهم. القارئ وحده الأعزل أمام سلاح الكلمات.

 

 ( 3 )الكتابة، كتابة القصيدة، تبدأ بانفصال وجدانيّ كلّي عن الموضوع. لحظةُ قطيعةٍ شاملة مع الموجود. مع ما هو راهن. نقطة وخز القلم الأولى على الورقة هي ثقبٌ في جدار الزمن لتسريب هواء الأبدية والتنفس منه على شكل سطور. خلود القصيدة يتوقف على حجم الثقب في ذلك الجدار، على كمية الهواء المتنفَّس من الأبدية. إذا حدث ونظرتَ في ثقب الورقة، ورقة الزمن، ستبصر طابةً تنطّ بين يدَي طفل يلعب في حدائق الوقت. الطفل هو أنت والطابة هي العقل.

 

 ( 4 ) الأبجدية رموزٌ سرّية. فعاليتها تكمن في دقّة تراصفها، في مزجها الكيميائيّ الخاص لقلب أمزجة الراقصين حول النار، حواليها.

الشاعر الجيد بدائيّ متحضر، ساحرٌ بمعنىً ما.

 

 ( 5 ) الظلمة محكٌ كبير لعين الشاعر، محكُّ مقدار ما يرى في الظلام. الشعراء العاديون شعراء نهارات فقط. يرون ما يرى الجميع ويدونون أنهم رأوها، إلا أنهم عميان عن ظلمات دواخلهم. كلما أغمض الشاعر عينيه عن النور الجماعي الكاذب رأى دواخله بوضوح أفضل. الشاعر الأول هو رائي الظلام الأول، رائي النهارات الأكبر في جنح الليل. من اللامرئي إلى المرئي. هذه لعبة الشعر. الشاعر قارئ وكاتب في نفس الوقت، يقرأ ما لا يُرى ويكتب لمن لم ير. الشاعرُ الإنسانُ الوحيد الذي له عيون قطط ويرى في الظلام . دعوني أكتب ولا توقدوا المصباح.

 

 ( 6 ) الشاعر أمّيّ أمام الأشياء، مدهوش بما لا يُدهِش. مدوّن هيروغليفيّ لأشياءٍ نسيناها. الغريزةُ عنده عقلٌ لا يُفسَّّر. ما سيحدث أمامه شيء كان في أعماقه قبل مئات السنين فهو عارفه بلا تعليل. الشاعر عرّاف غريزي، الحدس عنده رُبّان العقل.

 

... ( 7 )والإرهابي كذلك، الأيديولوجيات عنده اكتشافٌ نثريّ بطيء للأشياء، استدراجٌ استسلاميّ نحو تقبّل ما هو عليه، تقنينٌ للغريزة، دُهشة معلّبة. هاجس المباغتة عنده هو الضربة الشعرية التي ستهزّ كل ما تحت مسدسه، تُخلخل كلّ ما هو مقنن ومفروغ منه سلفاً. رؤياه وفعله شرخٌ في قانون الجماعة واستئثار استبداديّ بمشاعرهم طالما هو الذي يملي، طالما كانت عيونهم مشدودة بفوهة الكلمات. القارئ وسيلتنا ورهينتنا لتغيير ما نريده ونرى أنه حق.. أواه يا خطف الطائرات!. 

 

  8 ) ) كيف يمكن اكتشاف النور؟.. كيف يمكن التحليق بربّان ضدك؟.

أسئلة الشاعر والإرهابيّ.  

  

( 9 ) اللغة متراسٌ وسلاح في الوقت نفسه. سلاح قد ينفجر عليك، ومتراس قد تجرك أية ثغرة فيه إلى الهزيمة. التعامل مع اللغة تعاملُ استيلاءٍ وسيطرة، كلّ خضوع لها تأخّرٌ في الانفلات من سلطتها، عبوديةٌ بشكلٍ ما لشكلٍ قديم. ما نحن إلا مخربون لهذا الشكل، متمردون على السلطة، كلّ سلطة وإن كانت معنا. كلّ تفاهم مع علاقة آنية سلطوية خيانةٌ لوظيفة الشعر، لثوريته. كلنا مخرِّبون ما دمنا نكتب بشكل جديد.

سلطةُ اللغة معادِلةٌ لسلطة الدولة. علينا أن نلعب معها لعبة القانون. نسير وفق قوانينها ونضربها بها ومن خلالها. كلّ قانونٌ قمعٌ مُضمَر، متّفق عليه. استغلالُ كل فسحة مرتخية في كلابة الهيمنة القمعية للانفلات والكرّ. لعبة حرب البراغيث ذاتها التي تُدمي القلب وتنهكه حتى الموت. القتل، قتل الجسد القديم هو الغاية والوسيلة، مع أننا نعيش على دمه طوال وقت حياته، والانتقال لجسد آخر، لدم آخر جديد.

 

 ( 10 )اللغة ضد الشاعر طالما هو يرى. كلما اتسعت عيناه رآها تبتزه، تقصّ من أجنحة تحليقه. وعيُ اللغة ما هو إلا إدراك لفداحة الاختناق الذي يصيب أصابعه في هواء اللغة / السلطة. يتعامل معها كصديق وهي عدو لأنه ما من صديق آخر. كيف يمكن تهذيب هذا الصديق ـ العدو، العبد ـ السيد، و إعادة تحجيمه على مقاس الرؤيا الأفقية، التي هي عمودية في الوقت ذاته؟..الأمر لا يزيد عن التدريب، الحذق في الانفلات والانقضاض، في الزوغان والارتداد ثانية. المهارة التكنيكية كفيلةٌ بالسيطرة. المعرفة ذاتها وسيلة للسيطرة، والسيطرة هي طريق القوة التي ستغيِّر. ابتكار لغةٍ فوق اللغة تتسع لرؤيا فوق الرؤية، هذا هو الهدف: شذْ اشتطْ اجنحْ قاومْ تفولذْ إخرقْ.

 

( 11 ) القصائد طرودٌ ملغومة تحمل انفجار الشاعر. وكلما مُوّهت أصابع الشاعر وأُخفيت بصماته كان الانفجار أشدّ وأكبر تأثيراً لأنها ستكون أقرب إلى الرأس والقلب. ما اللغة إلا علبة شيكولاته معبأة بقنبلة موقوتة. قوّة انفجار القصيدة داخل المتلقّي يتوقف على مقدار القِطع التي وضعها بين أسنانه. الأسنان قضبانٌ لاعتقال اللسان. ما الفمّ إلاّ زنزانة.. علينا بهم، وليُسمع انفجارنا بين جماجمهم!.

 

( 12 ) أعترف بأنني مجنون قليلاً، مُولع بالانقضاض والأخذ بالتلابيب. الطفلُ مُطلق السراح في داخلي، وهذا يجعل الكثيرين يحسدونني ولا يحبوني. أهناك فاصلة بين المجنون والطفل؟.. ما الجنون إلا تذكرةٌ دائمة لاجتياز الأعراف، والطفولة كذلك.

الجنون اختيار العقل العنيف للعودة إلى الطفولة. قرارٌ شديد الذكاء لاكتشاف ما هو خارج التقاليد بصورة لا تقليدية، وبلا أية تبعات، الشاعر طفل ونبيّ ومجنون. أو فلنقلْ: رؤيا النبوة التي تضيء طريقَ الجنون ليعود عليه الشاعر طفلاً.

أعترفُ أنّ الشعراء مجانين.

 

( 13 ) لا تبحثْ عن الحقيقة، الحقيقة ستأتي إليك.

إبحثْ عن الباطل ترَ أن الحقيقة تقترب منك كلما وضعتَ يدك على ما ليس بحق. الحقيقة باطلٌ مموّه. ضوءٌ مُنتحَل مزيَّف مفتتنون به، تماماً كضوء القمر. لا تبحث عن الحق وتنسَ الباطل. الحقّ تحت يدك والباطل فوقها. لا تبحث عنه في الأديان والعقائد والنظريات. فالحقائق في النظريات والأديان والعقائد كلها ناقصة. الحقيقة المطلقة تكمن وحدها في الشعر.

 

( 14 ) لا: هي تعويذة الشاعر ضد فساد الشعر وارتخاء الروح، قاموسُ النقض والتجديد، سيفان متقاطعان على خوذة الشاعر الإرهابيّ، رتبةٌ في مقام الكتابة.

لا: كهربةٌ في الأعصاب تمنح توتراً عالياً لكل الأشياء. الشاعر فيها مُستفَزّ دائماً وعيونه المركّبة ترى ما خلفه وما قدّامه. كلّ رضىً عمّا نحن فيه ارتخاءٌ في عَصَب الكتابة، خيانةٌ لنصّ الكينونة، كينونة النصّ. ما (نعم) إلاّ فضيحة القلب وهزيمة التمرد في ثكنات الروح.. ما أجملك وهم يشيرون إليك: هذا شاعرٌ قال: لا.

 

( 15 ) لا تقارنْ نفسك بشاعر ما. قارن بما ستؤول إليه وما يمكن أن تؤوله.

لستَ، أيها الشاعر، سوى قارئ وجد نفسه مضطراً لكتابة ما لم يستطع كتابته أحد غيره، متحرّك دائمٌ في مستعمرات الروح، طائفٌ أزليّ حول النور و إنْ كان وهماً.

 

( 16 ) أيها الشعراء!.. كلّ غصن غادر الشجرة صار فأساً. والحرية مع النمور.

        

( 17 ) .. دعوني أمرّ، أنا إعصارٌ متضايَق.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*جمال جمعة: شاعر عراقي يقيم في الدنمارك. jamaljuma@hotmail.com

 

التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي سعدون

العنوان البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain
.

الهواتف
(34)  696 62 96 12
(34)  630 28 63 33

البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com

 

 

التالي | أرشيف المجلة | السابق