|
سـراويـل
سمير أحمد الشريف
مر وقت طويل يستجمع تفاصيل ما حدث. سعل بحشرجة. انتفخت عروق
رقبته. أحسّ بموجة باردة تغسله. لملم بطانية متهرئة فوق جسده.
حاول أن ينهض. اشتعل في ركبته ألم حارق. اكتشف أن رأسه ثقيل
وجسده مهدود. جرّ قدميه. اقترب من النافذة. انتشى بهدوء آخر
الليل. سمع صوت أنفاسه تموج في صدره. تقدم منه باسماً. سأله عن
رفاقه. قدّم له سيجارة وفنجان شاي. ألحّ لمعرفة من حرضوه.
باغته السؤال. ابتسم ببلاهة. يباس ينبت في حلقه. انعقد لسانه
دهشة. حملق في السائل بغباء. سأله غاضبا:" من.. تكلم" . صياح
الديكة يخلخل الهدوء الجاثم. صفحة وجهه تتكسر عليها انفعالات
شتى. عبّ من نسمات الليل بعمق. سرح إلى البعيد.. يا رجل.. قل
شيئا.. حرّك ساكنا.. الناس في قيامة وأنت لا همّ لك غير حرق
السجائر والالتصاق بهذا المذياع اللعين!.. أصح يا رجل وانظر
إلى من تعي حالهم.. زوجة "شاهد" التي لبست المطرز وزوجها الذي
يتبختر كالطاووس.. لم تسجل الأسماء ولم تشارك في احتفال.. اعمل
كزوج "دلال" الذي ملأ البيت قماشا يكفي لعشرات السراويل.. وأنت
فوق السلّم.. لم يخطر ببالك أن أحدا يراقبك.. كل خوفك انحصر في
سلك الكهرباء الذي يقولون عنه ضغطا عاليا وخفت أن تطالك
صاعقته... كانت اليافطة العاشرة. هوت على صدغه كف ثقيلة، لفّه
دوار شامل. سقط. كدمات تكوي عظامه. ألم حاد يتجذر في أمعائه.
نزيف دافئ ينزّ من أنفه وفمه. يسحب جسده. برودة لاذعة تتكوم في
خلاياه. سمع انسكاب الماء فوق رأسه. الأشياء تستعيد أحجامها من
جديد؛ الكرسي، الطاولة، الغرفة، الوجوه، الكدمات.. ابتسم له.
اقترب منه. ألقى بيانه:ـ مجرد كلمة تجعلنا أصدقاء ونختصر
الكثير من الوقت.. من الذي حرّضك.. وكم دفعوا لك؟؟.. أين أنتِ
يا امرأة الشؤم؟.. لماذا لا تأتين وترين المصير الذي انتهيت
إليه… كل سراويل العالم لا تساوي بصقة أو جلسة فوق كرسي
الكهرباء.. ظللت يا ملعونة الأبوين (تنقين) على رأسي.. شوف أبو
خالد.. انظر إلى صالح… فكر كيف انقلب الحال بإبراهيم!!.. ماذا
يفعلون غير أن يحركوا رؤوسهم ويقولوا نعم!! صحيح أنهم جعلوا
بيوتهم مضافات للكلام الذي يقال ولا يقال، وكل منهم وزّع زوجته
وأولاده ليخدموا أطرافا متناقضة، لكن مرأى الدولارات التي ما
حلموا بها.. يغفر لهم ما أقدموا علبه.. فلماذا لا نغتنم
الفرصة!!. مال محروق وإن لم تلطشه أنت لهفه غيرك.. لماذا لا
تكسب وتسير مع التيار!!.. أم ما زلت تصرّ على أن مسايرة التيار
غير الخوض فيه؟؟. لحظة دخولك الغرفة.. كانت بالانتظار.. زغرد
الفرح في عيونها وأنت تحمل الكيس. قالت ووجهها يتلون بالبشر: ـ
هذا ما كان عليك أن تقوم به ابتداء.. لو ختمت الدفتر!؟ هذا
القماش ما عيبه؟ غلوة واحدة ويعود ناصعا بلا ألوان.. هل تعرف
ثمن المتر منه؟ أليس حراما أن تمزقه الريح بلا ثمن وأجساد
أولادنا عارية؟ حتى أنت فصّلت ثلاثة سراويل.. كنت تخجل من
الجلوس بها أمام الرجال حتى لا يكتشفوا سرك. خطى للأمام. ألم
حارق يمزق ظهره.. ألا يكفينا ما نحن فيه؟. استدار إلى صوت
زوجته:ـ ألم يقل الطبيب أن الحركة عليك خطر؟.. إلى متى تعاكس
الواقع؟. باغته السعال. ضيق يثقب روحه.. يكتم أنفاسه. .. تذكّر
الجيران الذين لم يكلّف أحدهم نفسه بالسؤال عنه. معذورون..
أتريد أن تجلب الشبهة لهم؟ يكفيك أنك خبرت الناس وتعلمت كيف
تكون السياسة، لقنتك السراويل درسا لن تنساه.. ما هذا الطرق
الموجع على بوابة الحوش والدماغ؟.. ومن يأتي في مثل هذه الساعة
غيرهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سمير أحمد الشريف: كاتب من الأردن.
shareef-55@hotmail.com
|
 |
التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي
سعدون
العنوان
البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain.
الهواتف
(34) 696 62 96 12
(34) 630 28 63 33
البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com
|