الرداءة نصاً أدبياً..وسلوكاً
وديع العبيدي
تأشير الرداءة نصاً
أدبياً.. يعني في واقع الحال استنباط مؤشرات محددة، هذه
المؤشرات تحمل صفة العملة النقدية باشتمالها على وجهين، حيث
الرداءة والتفاضل وجهان لعملة واحدة هي النص، سواء كان نصا
أدبياً أو سلوكياً أو ظاهرة فكرية أو سياسية أو دينية تطفو على
سطح المجتمع.. وبمقدار الابتعاد عن شروط الرداءة يكون الاقتراب
من التفاضل، والعكس صحيح جداً. والإنسان الكاتب هو أكثر من
يتلمس هذا، لأنه في واقع الحال الناقد الأول لعمله. فالحقيقة
أن كل شخص يحمل هذه الذائقة النقدية ويحتكم إليها في قليل أو
كثير في منتوجه اليومي من سلوك ومنطق وعمل. وفي كل المجتمعات
تشيع ظاهرة أو حالة النقد الاجتماعي التي اعتبرها
البعض(تعميماً)ظاهرة سلبية متخلفة تمس الحرية الفردية. فالمرأة
التي تنتقد تسريحة شعر شخص آخر أو ملابسه تحتكم إلى حاسة نقدية
أو مُثل نقدية تختلف عن طريقة تحسس وتذوق غيرها. وهو كذلك لدى
الرجال في تبارزهم وتفاخرهم أو توبيخهم لظاهرة أو شخص أو
امتداحه. والعامل والموظف الذي يحاول التجويد في عمله يحتكم
إلى مخزونه المعرفي فيما يخص صنعته، ومثله الكاتب.. إذن..
ـ هل الذائقة وحدها هي التي
تحدد الرداءة أو الأفضلية؟.
ـ هل الذائقة واحدة لدى جميع
الناس (في مكان وزمان معينين)؟.
ـ ما هي العوامل المؤثرة في
توجيه الذائقة..؟.
ـ ما هي العوامل المؤثرة في
النص الإنساني[سلوكاً/ فكراً/ اجتماعاً أو أدباً]؟.
1ـ
لا ضير هنا من اعتماد الذائقة الشخصية/ الجماعية – معياراً
نقدياً في أي مجال من المجالات، إن لم يكن هو الحالة الصحية من
الذائقة النخبوية أو حسر العملية الانتقادية في طائفة
إكليروسية من دهاقنة وأساطين، كلمتهم هي العليا وسطوتهم لا
رادّ لها. كما في المجتمعات البطرياركية أو النخبوية العربية،
ومن الأمثلة الصارخة في المجال الأدبي جائزة نوبل التي
تحتكم إلى مشارط معينة ليست الأولوية فيها للقيمة الأدبية.
يقابلها من التطبيقات الجديرة في أهمية الذائقة الجماعية
المشاركة في الانتخابات والاستفتاءات البلدية والوطنية، حيث
يحتكم كل شخص إلى ذائقته الشخصية في تحديد الخيار الأمثل أو
الأفضل له من بين المرشحين أو الاختيارات المطروحة، ونتيجة
الانتخابات أو الاستفتاء هو خلاصة اجتماع الذائقات الاجتماعية
ومدى تقاربها أو اتجاهها العام بالمفهوم الإحصائي.
2ـ
لكن الذائقة الاجتماعية ليست متقاربة دائماً ومدى تقاربها يخضع
لمحددات كثيرة سترد في نقطة لاحقة.. إن السؤال هنا.. هل
الإنسان حر في تحديد ذائقته الخاصة؟.. أو ما مدى حريته هذه؟.
إن اتجاه الإجابة يرتبط بعوامل تاريخية وتراثية وطبيعة النظام
السياسي والمجتمع المدني. ففي المجتمعات الأوربية التي أقرت
الحريات الأساسية والحقوق المدنية منذ القرن التاسع عشر أصبحت
الحرية الشخصية جزء من الثقافة (Kultur)
الأوربية ومميزات الحياة اليومية(Alltagsleben)
لديهم. وضمان الحرية الفردية والحق الشخصي خطوة أساسية لقطع
نصف المسافة في هذا الاتجاه. بينما ما زالت هذه الخطوة مغيبة
وملغية حتى الآن في النظام العربي على أعتاب الألفية الثالثة.
مما يعرقل نشأة هكذا ذائقة مشتركة تمثل ـ إلى حدّ ما ـ الضمير
الجماعي للمرحلة أو المجتمع.
3ـ
توجيه الذائقة ـ مثل أية خاصية إنسانية ـ يخضع لدرجة الجذب
والدفع من جانب [الموروث/ المكتسب] أو [الذاتي/ الموضوعي].
بمعنى آخر البيئة الحاضنة للفرد الإنساني وأثرها في إفراز
شروطه الحياتية وخصائص شخصيته العامة. إن الفرد الشرقي والعربي
ـ تحديداً ـ أكثر ارتباطاً بالبيئة المحلية [العائلة/ القرابة/
العشيرة/ المحلة/ المدينة] حيث الترابط والتكافل والمشورة
تتحول إلى حالة من الاتكالية والتبعية شبه المطلقة. وقد لعبت
طبيعة الأيديولوجيا الإسلامية دوراً عزز أثر التقاليد
الاجتماعية والمؤثرات البيئية هذه. وهو ما خلص إليه الباحث
حنا بطاطو في دراسته للتيارات السياسية والاجتماعية في
العراق الحديث، عندما أشر الثقل العائلي والديني في التوجهات
الحزبية والحركات السياسية في العراق واستحضر لذلك
أمثلة غنية. إن هذه التبعية ليست معيقة فقط لتحسس الحرية
الفردية وفرز استقلالية الرأي والتفكير والسلوك، ولكنها أيضاً
معيقة للإبداع. الإبداع بمعنى التجديد والتجاوز والاختلاف.
ولعل هذه أبرز ظاهرة يصطدم بها الباحث لدى مطالعة المنتوج
الثقافي الغربي. فبالإضافة إلى ارتفاع السقف الفكري يلعب
التقليد دوراً ضعيفاً وهامشياً لدى المثقف الغربي. حيث ديدنه
هنا، بعد دراسة أديب أو ظاهرة معينة، هو تجاوز ذلك والتفوق
عليه، بينما يقضي الكثير من الأدباء العرب ـ بل والمفكرين
أيضاً ـ حياتهم داخل أطر ونماذج سابقة لهم من التراث العربي أو
الغربي. ولا نكاد نجد حتى بين من حظوا بألقاب أدبية وعلمية
(كالعمالقة والرواد والمجددين) خلال القرن الماضي من لم يكن
ظلاً ومقلداً لأحد الأدباء أو الفلاسفة الغربيين، وإلى الحدّ
الذي دفع المستشرقين إلى وصم العقل العربي بالعجز أو الشخصية
العربية بالخواء. ومنه أن الكثير مما يدعى بالنقد العربي مجرد
كيل المديح والإطراء أو التجريح والتبخيس، استناداً إلى قاعدة
العلاقات الشخصية أو الجاهات الاجتماعية والسياسية ومراكز
النفوذ. وطيلة النصف الأخير من القرن العشرين لم يتجاوز النقاد
العرب في نطاق الجامعات أو الصحافة هذه الحدود. فتكررت أسماء
أدبية محددة في معظم النقودات والدراسات والأبحاث ولم يجرؤ أو
يجازف أحدهم على تناول كاتب غير معروف أو من خارج الحلقات
النخبوية والشللية هذه. وعلى صعيد الأجيال يتم التركيز على
أسماء معينة وتجهيل وتغييب غيرهم، وما تزال هذه العملية جارية
على الصعيد الشخصي والإعلامي/الرسمي وغير الرسمي.. كيف يصح مثل
هذا الوضع في بلدان تنجب كل يوم شاعراً وكاتباً وفناناً؟!..
ولمصلحة من سيادة وترويج هذه القيم المضللة؟.
4ـ
كل هذه العوامل ينبغي أن تخضع للمحاكمة عند الوقوف أمام النص
الأدبي. هذا لا ينزل من عليين ولا هو ـ حسب المزاعم ـ وحي
يوحى!!؛ أنه إفراز لمجموع التراكمات التي تتفاعل داخل الذات
الإنسانية لتتمثل في إطار ومفهوم محدد (نص). والمنتوج الثقافي
لمراحل الاستقرار يختلف عنه أيام الحروب والكوارث. في ظل
الانفتاح الفكري والسياسي (أيام المأمون)غيرها أيام الجمود
والردة الفكرية كما هو اليوم. بل أن الفوضى عندما تستحيل إلى
نظام في بلد معين لابد أن تصبح الفوضى والاستثناء قاعدة للنص
الأدبي كردّ فعل منطقي لمواجهة المرحلة والقدرة على الحياة
والتجدد. وعليه يمكن اعتبار الرداءة في النص الأدبي موقفاً
فلسفياً لمواجهة الرداءة في الواقع!. مثال ذلك مظاهر الخروج
على العروض والنحو والإملاء وعكس قوانين المنطق والفيزياء
والفلسفة في الشعر العربي الحديث منذ السبعينيات، وبشكل أكثر
شيوعاً في الشعرية العراقية في التسعينيات. إن الإنسان العربي
ممثلاً في الأديب يبحث عن إجابة وافية لهذا الإصرار على التقدم
نحو الهاوية، وهو لا يجد غير فضاءات الأدب لتفريغ شحناته
الإنسانية التي تصرّ ـ بالمقابل ـ على التمسك بالحياة!.
الطريق لإنتاج ذائقة حضارية..
إن كل ذائقة؛ هي ذائقة نقدية
في الوقت نفسه، وكل نص أدبي هو نص نقدي، ومن خلال دراسة نص
معين يمكن استنباط المعايير النقدية المتبعة لدى كاتبه!.
وبالتالي الاتفاق معه أو الخروج عليه والإضافة. فلا يكفي تحديد
نقاط القوة والضعف في النقد التقليدي وإنما وضع قيم موضوعية
تمكن تطوير النص أو الفكرة. وتعدد النقودات وتراكم وجهات النظر
يتيح إمكانية البحث بين البدائل واستنباط قيم نقدية تجريبية
يتكفل الزمن والنصوص المبحوثة لاحقاً تأكيد مدى صحتها
وحيويتها. فالكاتب العربي وفق ذلك يقف أمام مهمة تاريخية عسيرة
في البحث عن القيم البديلة. وهو ليس حراً أو وحيداً في
الساحة. فما تزال القوى التقليدية تجمع خيوط السيادة بيدها
وتفرض ظلالها على مجالات الحياة والفكر عامة. وإلى جانب
هيمنتها على وسائل النفوذ والإعلام التقليدية والرسمية، فقد
أتاحت لها هيمنتها على المال والنفوذ الهيمنة على وسائل
الاتصال الألكترونية الحديثة ومجالات النشر. ولا يمكن فصل
التردي الراهن عن اختفاء الدور الحضاري لأبرز منطلقات الثقافة
العربية (لبنان ومصر والعراق) لتبدأ
المراكز الخليجية في تعويض الدور وإعادة تسويق الفكر التقليدي
عبر وسائل مختلفة لا تتوقف عند المهرجانات وتوزيع الجوائز. إن
العقدين الأخيرين من القرن العشرين هما بداية التراجع الحضاري
الإنساني عالمياً وعربياً.. أتاحت الهيمنة المطلقة لدولة ونظام
وثقافة واحدة على حساب الآخرين وبالشكل الذي وصفه كونديرا
بنهاية التاريخ.. تروج لثقافة الإعلان وقيم المجتمع الاستهلاكي
ومبادئ التفوق الغربي. أما على الصعيد العربي فقد أتاح هيمنة
القوى السلفية والتقليدية التي تفرض قيمها وتقاليدها. وما يجري
في مصر ـ التي كانت طيلة النصف الأول من القرن العشرين حاضنة
الريادة الثقافية ـ اليوم من ملاحقة الأدباء ومنع كتاباتهم
بتهمة التخرص الديني أو الإساءة للإمبريالية والصهيونية
[ملاحقة محمد فريد أبو نصر/سجن سعد بهاء الدين/محاكمة
إبراهيم نافع] أبرز مظاهر الردة المعاصرة. إن الفكر
العربي يمرّ بمؤامرة مفضوحة لا تتيح للكاتب الإمساك بالعصا من
الوسط فترة طويلة، ولكن النصّ الأدبي يتيح إمكانيات هائلة
للمواجهة، ليست الرداءة البديل الوحيد بينها!!..
مـشـروع بيان للرداءة..
إننا نعيش في زمن رديء..هل
يكفي هذا مبرراً لرداءة نصوصنا؟ إننا نفتقد الاستقرار وأبسط
متطلبات الحياة الإنسانية..لا نجد وطننا إلا على الورقة، لا
نتواصل مع أهلنا وأصدقاءنا وملاعب طفولتنا إلا في
الذاكرة..نعيش في مجتمعات وأنظمة تعلن علينا حرباً لا هوادة
فيها، نعايش قيماً وسياسات قضينا أجمل سنوات حياتنا وتكويننا
في محاربتها وتفنيدها..إننا غرباء حتى عن أنفسنا، والكتابة لنا
ملاذ أخير كالماء والهواء..إنها وسيلة التنفيس..وأداة الجلد
الذاتي على حياة لم نخترها..أننا نقف على رؤوسنا في زمن الإيدز
العربي بين شيزوفرينيا الولاة والسادية الغربية. أمامنا عدم
ووراءنا عبث؛التاريخ العربي يحملنا مسؤولية هزائمه، والعالم
يحاسبنا على سحناتنا ولكنتنا الأجنبية ويسألنا في كل عاصمة
ومطار؛ من أنت؟ ماذا تريد؟؟ بصمات أصابعنا مطلوبة في كل نقاط
المرور. في بلداننا؛ نحن خونة وعملاء، وفي الغرب متهمين
بالإرهاب والتطرف. أولياء الأمور ينتظرون منا الولاء، والإعلام
العربي لا يسمح لنا بمغادرة بيت الطاعة، بغير ذلك نحن صعاليك
ومشعوذين وفي أرواحنا مسّ من الجن..لسنا سوى طلاب مدارس سرقوا
حقائبنا المدرسية وملأوها بالحشيش والخرافات وحوّلوا مدارسنا
إلى ثكنات عسكرية ومراكز اعتقالات. خرجنا من الوطن لنبحث عنه
ونحفظه من عبث الصّبيان، وعندما طالبنا الانكشاريون بفواتير
دمنا التجأنا إلى الكتابة لنعضّ على المتبقي من طفولتنا
المزورة في زمن فقدان البراءة.لم نعد نعرف لماذا نعيش وهل ثمة
إمكانية للأمل والحلم بلا مخادعة الذات؟..هل الوطن والله
والمحبة والإنسانية حقائق فعلية أم مجرد قيم ترفيه لا تتحقق؟
هل يكفي كل هذا مبرراً لرداءتنا أو رداءة أفكارنا أو رداءة ما
نكتب؟.. إنني أنتظر بفارغ الصبر الانقطاع عن الكتابة، ولكن
عندها سأكون عاطلاً عن الحياة.. فهل تسمحون!!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*وديع العبيدي:
شاعر عراقي يقيم في النمسا.wadiobeadi@yahoo.com
|