النقد و العمل الفني
د.كاظم شمهود
ترى ما هي المقاييس أو
المعايير المعروفة والتي نعتمد عليها في تقييم لوحة فنية عن
أخرى؟.. هل يكون للذوق والاختلاف الثقافي، كما عليه المكان
والزمان، دوراً كبيراً في الانحياز لعمل فني عن آخر ولحركة
فنية عن أخرى؟.
لا شك أن الحركات الفنية
والثقافية الحديثة التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية
القرن العشرين قد تمردت على كل الأطر والقواعد القديمة. كما أن
ظهور الأنظمة الديمقراطية قد كفل للفنان حرية التعبير ضمن
مجالات تلك الحرية ومكنته من إيجاد عوالمه وتأكيد شخصيته.
يذكر بعض المفكرين أن الفرد
يستجيب لشكل الأشياء القائمة أمام حواسه سواء كانت لوحة فنية
أو نص أدبي وهذه الاستجابة تتعلق بتناسق معين بسطح أو شكل
وكتلة ومفردات اللوحة أو النص. وينتج عن هذا التناسق صورة
إحساس بالمتعة بينما يؤدي الافتقار إلى مثل هذا التناسق إلى
خلق شعور بعدم الارتياح أو النفور. إن الإحساس بالتناسق هو
الإحساس بالجمال والإحساس المضاد هو الإحساس بالقبح. إن
الانجذاب هو نوع من اندماج بين المتذوق والعمل الفني، ذلك أن
النفس تتحد بالأشكال التي تتكون في الطبيعة نتيجة تأثير النفس
فتنزع عنها المادة وتثبتها في ذاتها وتلتحم بها. إن عملية
التذوق تتم من خلال توفر شرطين أساسيين هما:
1 ـ اعتدال المزاج، التنور
والانفتاح.
2 ـ تناسب وتناسق أعضاء الشيء
بعضها لبعض، أي الانسجام بين عناصر الشكل مما يعطي صورة ممتعة
وهنا يبلغ العمل الفني الحس الجمالي. ولكن لا بد من مرحلة أخرى
تضاف وهي حالة الشعور والإحساس بقيمة الفكرة التي يحملها العمل
الفني. من الممكن بالطبع أن نجد التعبير يخلو من التنظيم
الشكلي مثلاً، عناصر فنية مبعثرة دون تنظيم أو مفردات على شكل
صور متداخلة أشبه بالكولاج، ويذكر البعض من الباحثين في علم
الجمال يذكر بأن التعبير هو دليل على ردود الأفعال الوجدانية
المباشرة وأن الفن يندرج تحت تلك القيم ذات الحيز الوجداني. إن
التذوق الفني يتطلب شروطاً مماثلة تماماً لشروط الإبداع الفني
والحكم على العمل يتطلب قوة إبداعية مماثلة لدى المتذوق تساعده
على الحكم الصحيح. يقول شوبنهاور بأن كل الفنون تطمح أن
تكون مثل الموسيقى، حيث التفكير بالمميزات المجردة للموسيقى
نفسها، وهي مخاطبة الجمهور مباشرة دون وسيط محدد. وهذا الاتجاه
الروحي قد تكفلت به الفنون الحديثة التي رأت أن الجمال يكمن في
جوهر الأشياء، ولهذا كانت تعبر عن ذلك بإحالة الأشكال إلى سطوح
وخطوط ونقاط وأشكال مجردة.
إن ظهور المدارس الفنية من
دادائية وسوريالية والحركات الطليعية اللاحقة،
كان في حد ذاته تمرداً على التقاليد الفنية السائدة وقتها، وقد
رفع أعضاء هذه الحركات شعار العمل اللا إرادي البحت وتدوين
الممارسة الفكرية في غياب كل أنواع السيطرة التي يمارسها
العقل. إن السوريالية مثلاً قد ذهبت لمساندة القيم
الخلاقة للمصادفة واللاعقلانية والاعتماد على العقل الباطن
وصور الأحلام. كما هاجمت الدادائية الأفكار البورجوازية
والمتاحف والتقاليد السائدة وأعلنت عبثية العقل والعلم. وقد
بررت موقفها هذا بأنها كلها لم تستطع إيقاف الحرب العالمية
التي راح ضحيتها ملايين البشر. ولو أن هذه المدارس الفنية
والأدبية قد مر عليها وقت طويل لكنها تركت تأثيراً كبيراً على
حرية التعبير والنقد وخلقت مرجعية جديدة في مسألة تقييم
الأعمال الفنية وكذلك في مفهوم الفن والجمال.
رغم تطور مفاهيم النقد
وخروجها من الأطر القديمة إلا أنها لازالت تخضع للتيارات
السياسية والاجتماعية يضاف لها مسائل النزعات والأهواء. إن
العمل الفني كل متكامل، ولغرض دراسته، تدور في فلكه نقاط عديدة
منها ما ذكرناه ومنها ما يدخل في صلب العملية الشخصية للتقييم،
وهذا ما يجعل أسماً أكثر أهمية من آخر وعملاً أكثر خلوداً
وشهرة من أعمال أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*د.كاظم شمهود طاهر: فنان تشكيلي عراقي يقيم في
مدريد، من كتبه: الأندلس والفن الإسلامي،
و فن الكاريكاتير.
|