مجلة ألواح

 
   

رفقاً بالأدب الرديء

                                                            د. وليد صالح الخليفة

  يُروى والعهدة على الراوي إنّ أحد الملوك كان يدّعي كتابة الشعر. وكان يعرض ما يكتبه على مرافقيه وعلى رجال البلاط ويقرأ منه على أسماعهم ثمّ يطلب رأيهم فيه. وعلى الرغم من رداءة شعره لم يكن أحد من أصحابه وملازميه مَن يتجرّأ على قول الحقيقة. وكانوا يكيلون لشعره المديح ويبالغون في الإطراء والثناء عليه. وكان ذلك مدعاة للملك للمضي في ديدنه الذي ألفه وارتاح إليه. وعلم الملك في يوم من الأيام بأنّ في مملكته شاعراً لا يُشقّ له غبار ولا يبزّه أحد من أقرانه، فدعاه إلى مجلسه. وعندما حضر الشاعر بين يديه، أخرج الملك قصيدة وبدأ يقرأها عليه. وعندما انتهى من القراءة سأل الشاعر عن رأيه فيما سمعه، فتردد هذا قليلاً وفكّر ملياً في طريقة للخروج من هذا المأزق دون أن يحابي الملك أو أن يقول له كلاماً مُزيفاً فأردف قائلاً: "أنا متأكد من أن جلالتك أردت أن تكتب قصيدة رديئة، فجاءت بعون اللّه من أردأ ما يكون". وبهذا الجواب الذكي قال الشاعر رأيه الحقيقي فيما سمعه واستطاع أن يُنقذ نفسه من ذلك المأزق الذي وُضع فيه.

  نحن ـ قرّاء الأدب ـ بغض النظر عن اللغة التي نقرأ فيها، نجد أنفسنا بين الحين والحين بحاجة إلى كلمات ذكية ككلمات ذلك الشاعر لتوجيهها إلى بعض كتاب الأدب الأدعياء لكي يعرفوا حقيقة آرائنا في إنتاجاتهم، لكن وللأسف ليس كل القرّاء ببداهة ذلك الشاعر الكبير. الكتابات الأدبية العربية كثيرة وكثيرة جداً، والجيّد منها قليل قليل، وما دون الجيد كثير ومنتشر والرديء أكثر وأوفر. غير أنّ النقد الأدبي العربي لم يتعود بشكل عام على التعرض بشكل جدّي للنماذج الرديئة إما تعففاً أو رغبة في عدم التصادم أو التخاصم مع مؤلفي تلك الأعمال. وقد يكون الشعر العربي الفنّ الذي تمّ التجنّي عليه أكثر من غيره، فأصبح هذا الفنّ الرفيع المعروف بسجل العرب كلاماً خاوياً وفقد روحه وجماله وروعته. فالشعر صعبٌ وقيل في صعوبته الكثير، وغالى البعض في وصف تلك الصعوبة وظنّوا أنّه لا يجيده إلاّ المُلهمون أو الفحول. وقال في ذلك أحد الشعراء:

            الشعرُ صعبٌ وطويل سُلّمـه

            إذا ارتقى إليه مَن لا يعلمـه

            زلّت به إلى الحضيض قدمه

            يريد أن يعربه فيعجمـــه

  ومنذ القدم فرّق النقاد العرب بين ما هو شعر وما هو محسوبٌ على الشعر ومُلحقٌ به مجازاً أو ربما ظُلماً. وكلنا نتذكر تلك الأبيات الشعرية التي تصنّف الشعراء وتبين طبقاتهم، حيث تقول:

            الشعراء في الزمان أربعـــه:

            فشاعرٌ يجري ولا يُجرى معـه

            وشاعرٌ يسيرُ وسطَ المعمــعه

            وشاعرٌ لا تشتهي أن تسمعــه

            وشاعرٌ لا تستحي أن تصفعـه

  وكما تبيّن هذه الأبيات فإنّ الشاعر الذي يسير في المقدمة ولا يلحق به أقرانه ويفوقهم في الملكة والقدرة والمعرفة والفنّ، هو الشاعر الحقيقي المُجيد الذي تمكّن من صنعته وأحسن فيها إلى درجة الكمال. لهذا ولهذا فقط فإنّ هناك متنبياً واحداً في التراث العربي وهو ما يمكن أن يقال أيضاً عن بشّار وأبي نواس وأبي تمّام والمعرّي مثلاً. ففي وقتنا الحاضر  ساعدت إمكانية سهولة النشر على تفشّي الرديء وانتشاره بصورة مقلقة حتى صار لقب الشاعر الكبير يُطلق على كلّ مَن سوّلت له نفسه في التجرؤ على تسطير الكلمات وإخراجها في طبعات أنيقة بدعوى أنّها شعر، بل وشعر عظيم كما تؤكد على ذلك مقدمات الدواوين المكتوبة عادة من قبل أحد أصدقاء ذلك الدعيّ أو المتشاعر. وبمجرد أن تعمل مسبرك في مثل ذلك الكلام سرعان ما تكتشف جهل المؤلف بأصول الكتابة الشعرية، حيث لا أذن موسيقية ولا علم بعروض الشعر ولا ثراء لغوياً يُذكر، ودعك عن الثقافة العامة أو الخاصة، لأنّ من شبه المؤكد أن هذا "الشاعر العظيم" لم يقرأ في حياته كتاباً واحداً من التراث العربي لا في الشعر ولا في النثر. وعدا هذا وذاك فإنّ الأخطاء اللغوية والنحوية وحتى الإملائية تملأ عادة صفحات ذلك "الدويوين" الذي لا يسمن ولايغني من جوع.

  فمنذ زمن غير بعيد وقع بين يديّ كتاب تظهر على غلافه عبارة "مسرحية شعرية" يُصنّف مؤلفها في عداد الشعراء العرب المعروفين من الذين يُدعون إلى المهرجانات وتنظم لهم لقاءات مع الجمهور من محبّي الشعر لكي يقرؤوا عليه ممّا أوحوا به وألهموا إيّاه. تلك "المسرحية الشعرية" المزعومة جاءت مصدّرة بمقدمة كتبها مفكر معروف من نفس جنسية المؤلف. وقد كال هذا للمؤلف الكثير من المديح واعتبره قمّة شعرية قلّما منحنا الدهر مثيلاً لها، وكاد يلعن كلّ قارئ عربيّ للشعر ممّن لم ينصب في بيته أو في مكتبه مجسمّاً لهذا الشاعر العملاق الذي لم يعرف له الجمهور حقّ قدره أو لم يحمل صورته الشخصية في محفظته. والأدهى من ذلك فإنّ ذلك المفكّر الصديق يقارن تلك المسرحية والتي هي بعنوان "مأساة المعتمد" بمسرحية أخرى عنوانها "أميرة الأندلس" تناولت نفس الموضوع لشاعر كبير عاش في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويفضّل تلك على هذه ويدّعي بأنّ  "مأساة المعتمد" فاقت "أميرة الأندلس" شكلاً ومضموناً. وواقع الأمر هو أنّ "أميرة الأندلس" مسرحية محكمة من حيث السبك اللغوي والصناعة الشعرية على الأقلّ. وهو الشرط الأول والأساسي لكلّ شعر، تصبح القصيدة بدونه كلاماً لا قيمة له ولا جمالية ولا إبداع. وهذا هو حال "مأساة المعتمد" التي ما هي في الواقع إلاّ مأساة المؤلف الخاصّة، لأنّه جاهل ويجهل أنّه جاهل. وبكلمات أخرى فإنّه جاهل مركّب. ويحضرني هنا الحوار الذي جرى بين الحكيم وحماره. حيث ينتهي الحمار قائلاً للحكيم: إيه يا صاحبي، أنا جاهل بسيط وأنت جاهل مركّب. فيسأله الحكيم عن الفرق بين هذين الجهلين، فيجيبه الحمار قائلاً: "إنّ الجاهل البسيط هو الذي يجهل ولكنّه يعلم بأنّه يجهل. أمّا الجاهل المركّب فإنّ أمره خطير لأنّه يجهل ولكنّه يجهل بأنّه جاهل". اللّهم ابعد عنّا شرّ الجهل المركّب ولا تحشرنا مع هؤلاء المتشاعرين الذين ينظرون إلى الملأ بعين الازدراء ويملؤهم الشعور بالزهو والخيلاء ويظنون بأنّ جموع البشر يدينون لهم ولا بدّ لهم من أن يسبحوا باسمهم بكرةً وعشيّاً.

 وعودةً إلى المسرحية "الشهيرة"  فإنّ  شاعرنا الألمعي يتجنى على الشعر والمسرح معاً فيسطر كلاماً مثل هذا:

أيا موتُ ... نفسي ملّت العيش والحياة   في السجن مصفوداً فهل لم يصل دوري؟

  فإذا كان هذا الكلام شعراً فما الذي يبقى لحديث المقاهي والممرات والشوارع؟. إنّ هذه الكلمات لا ترقى إلى مستوى الكلام العادي للمثقفين لأنّه أقرب إلى إنشاء تلميذ في السنوات الأخيرة من المدرسة الابتدائية ممّن يجرّب حظه مع الشعر. ولكيلا تظنوا بأنّي أريد التجنّي على مؤلف مأساة المعتمد،هاكم بيتاً آخر من أبياته العبقرية:

سينهدّ هذا الحكمُ حتماً لأنّه      على الظلم مبنيّ، وليس على العدل

  فعدا كون هذا البيت المزعوم كلاماً يخلو من أصول الفنّ الشعري، فإنّ فيه حشواً وتكراراً لا لزوم لهما سوى الحفاظ على القافية. ولولا ذلك لما كانت لنا حاجة بالجملة الأخيرة التي تُنهي البيت. وصار الكثير من الشعر العربي طلاسم ورموزاً مغلقة لا يفهمها حتى المؤلفون أنفسهم، ليس لكونه صعباً في مضامينه ولعدم بلوغ جمهور القراء المستوى المطلوب، بل لأنّ هذا الشعر ينقصه المنطق والتناسق والوئام وأنّ الشاعر يفتقد للعدّة الضرورية لكتابة الشعر وإبداع  القصائد ذات المستوى المرجو. ولا يُقارن شعر هؤلاء بأي شكل من الأشكال بشعر أبي تمّام مثلاً والذي كان شعراً صعباً وعسيراً وخاصّة بالنسبة لطبقة من القرّاء لم تكسب حظها من التكوين الأدبي. ففي مرّة من المرّات كان أبو تمّام يقرأ قصيدة على جمهور من الناس، فاعترض رجل منهم وقال للشاعر: "ما لك تقول ما لا يُفهم؟". فردّ عليه أبو تمّام في الحال وعلى البداهة بقوله: "ولماذا لا تفهم ما يُقال؟". فالواضح أنّ العلّة لم تكن في طبيعة شعر أبي تمّام، بل في أبعاده المجددة تجديداً حقيقياً وفي عدم تهيؤ الكثير من جمهور القراء والسامعين لمثل ذلك الشعر السامي. والشعر صور ومجاز، من كناية واستعارة وتشبيه وما إلى ذلك من أساليب ذكية يخلقها الشاعر لكي ينقل القارئ إلى عالم الخيال الشفاف والأحاسيس المرهفة. فالشعر هو صورة تتكلم عن نفسها، أمّا الصورة فهي شعر هادئ لا تتحرّك ولا ترفع ثغرها على الشعر. وجمال الصورة وحسن اختيارها من أسس جمالية الشعر وقدرة تأثيره في القارئ والسامع. وللأسف فإنّه ليس كل الشعراء بارعين في ذلك الاختيار لأنّ الكثير من صور الشعر العربي الحديث تأتي باهتة لا حياة فيها ولا طعم لها. وهذا ما يمكن أن يُقال أيضاً عن المجاز وخاصة الاستعارة التي تكثر عادة في الشعر. ففي فترة من الفترات ملأت النوارس القصائد العربية ولم تعد تجد أية قصيدة تخلو منه بسبب أو بدون سبب. وأنا على يقين بأن أكثر من واحد من هؤلاء الشعراء الذين تجنوا على هذا الطائر المسكين لم يكن قد رآه في حياته، وإنّما تعكّز عليه جرياً على العادة. وإذا كان البعض يرى في استعارة هذا الطائر وحشره في كل قصيدة تجديداً، فإنّي أقول: أين ذلك من تجديد أبي تمّام. ومعذرة للقارئ لعودتي من جديد لأبي تمّام، لأنّ القمم هي دليلنا سواء في الشعر أو بغيره. كان أبو تمّام كعادته يقرأ شعره على جمهور من السامعين. وعندما وصل إلى بيت يقول:

لا تسقني ماء الملام فإنّني         صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي

استغرب أحد السامعين من الاستعارة التي استخدمها الشاعر ولم ترقه فناداه ساخراً: "يا أبا تمّام، أعطني جفنة من ماء الملام، يرحمك اللّه". فأدرك أبو تّمام على الفور قصد السامع فأجابه بقوله: "لن أعطيك جفنة من ماء الملام حتى تأتيني بريشة من جناح الذلّ". وكان أبو تمّام يشير في قوله هذا إلى الآية القرآنية "واخفض لهما جناح الذّل من الرّحمة وقل ربّي ارحمهما كما ربّياني صغيرا". وأراد أن يقول له إذا كانت استعارتي تلك غريبة على سمعك وذوقك فلم لا تستغرب من الاستعارة القرآنيّة؟.

  أين كلّ ذلك من استعارات تتكرّر في شعرنا العربي الحديث وهي باهتة ليس فيها لون أو طعم أو رائحة. أين ذلك من تراكيب غريبة عجيبة لا تستقيم لا مع المنطق ولا مع مفهوم الفنّ الذي ينشد خلق عالم من الخيال الجذاب والساحر. تراكيب لا تؤدي بالقارئ إلاّ إلى البلبلة والشك والارتياب. فأنا شخصيّاً، وبصدق، لا أفهم أو أنّ قواي العقلية لا تسعفني لإدراك تراكيب أو استعارات كمثل: زئير الوزن أو كأن تدّخر الشمس الفضّة أو يعلن الجفن إفلاسه وما شابه ذلك من كلمات مسطرة بدعوى أنّها شعر وأنّ قائليها شعراء. وربّي إن هذا إلاّ تجنّ على الأدب الرفيع وما ذلك إلاّ ضحك على الذقون واعتبار القرّاء جهلة مغفلين. أظنّ أنّ على المجلات الأدبية أن تتّخذ لنفسها معايير جديّة وثابتة لقبول نشر المواد على صفحاتها، احتراماً للمجلة ولقرّائها. فليس كلّ ما يدوّن صالحاً للنشر، وإنّ ما يكتبه المتطفلون على الأدب ليس حرياً بالانتشار وأولى به أن يبقى حبيس الأدراج بعيداً عن نظر القرّاء النبهاء الذين ليس من العدل أن تُخدش أحاسيسهم وعواطفهم وإعجابهم بهذا الفنّ البديع.

  وأخيراً وليس آخراً فإنّي أقترح أن تقوم الجهات المعنيّة بإيجاد جائزة لأردأ نصّ أدبي لكلّ الأجناس الأدبيّة، فجائزة لأردأ نصّ شعريّ وأخرى لأردأ نصّ مسرحي، وهكذا. وأنا متأكد من أنّه لو تمّ إيجاد مثل هذه الجوائز، لتردّد الكثير من الكتّاب المزعومين في نشر نصوصهم، أو أنّهم على الأقلّ راجعوا مراراً ما كتبوه وفكروا مليّاً في ما يمكن أن تؤول إليه كتاباتهم تلك، ولساعد ذلك على رفع المستوى العام لأدبنا ولأنقذ الكثير من القرّاء من تضييع أوقاتهم في قراءة كلام بعيد عن الأدب بُعد الثّرى عن الثريّا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*د.وليد صالح الخليفة: رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أوتونوما بمدريد waleed.saleh@uam.es

 

التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي سعدون

العنوان البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain
.

الهواتف
(34)  696 62 96 12
(34)  630 28 63 33

البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com

 

 

التالي | أرشيف المجلة | السابق