|
بمناسبة
الذكرى 14 لاستشهاده
حسن مطلك .. شاعراً

بمناسبة حلول
الذكرى الرابعة عشر لاستشهاد الأديب العراقي حسن مطلك الذي
أعدمته الدكتاتورية بتاريخ 18/7/1990 إثر اشتراكه في محاولة
انقلابية. أصدرت دار ألـواح في العاصمة الإسبانية، الديوان
الشعري الوحيد له، بعنوان ( أقنعة .. أنا وأنتِ والبلاد) حيث
ضم الكتاب مجمل قصائده (21 قصيدة) التي كتبها على امتداد عقد
الثمانينات، والتي كانت آخرها مكتوبة قبل اعتقاله بشهر واحد،
تتباين القصائد في الأساليب والطول والموضوعات التي تنوعت بين
الفلسفية والعاطفية والهم الوطني، وقد زينت غلاف الكتاب إحدى
لوحات حسن مطلك إضافة إلى الرسومات الداخلية وهي عشر من
تخطيطاته.. الأمر الذي يجعل من هذا العمل دليلاً آخر على فرادة
وتألق حسن مطلك إبداعياً في ميداني الشعر والرسم بعد نجاحه
كروائي في عمليه الشهيرين (دابادا) و(قوة الضحك في أورا).
الكتاب من القطع المتوسط ويتكون من سبعين صفحة، قام بجمعه
والتقديم له الدكتور محسن مطلك الرملي، وجاء في طبعة محدودة،
يمكن للراغبين بالحصول على نسخة منه بمراسلة دار ألـواح
www.alwah.com
وبإرسال تكلفة الطباعة والبريد البالغة عشرة
دولارات أو عشرة يورو.
وهنا ننشر نص المقدمة ومقاطع
مختارة من إحدى قصائد الديوان.

تـقديـم
د.
محسن
الرملي
يقول حسن مطلك: "الشاعر:
شخص كتبَ قصيدة عظيمة ثم أضاعها."
..وهذه جملة نصوص شعرية،
مُضاعَة ـ ربما عن قصد ـ عثرنا عليها متناثرة بين ما تبقى من
أوراقه ودفاتره؛ منها أوراق لا صلة لها بالأدب كدفتر بأسماء
الدائنين أو دفتر لرسومات خرائط البيوت مثلا.. وهي بذلك توحي
لنا بأنها قد كانت دفقات إبداعية لمشاعر وأفكار وحالات انتابت
حسن مطلك فاحتواها الشكل الشعري، في حينها.. على عجل؟!، وتُركت
كمسودات خام، مكتوبة كيفما اتفق، منها ما لم يكتمل بعد، ومنها
ما شُطِب عليه، ومنها ما هو بلا عنوان أو تاريخ، كتبت بعضها
بشكل القصائد والآخر بالصيغ النثرية.. ومنها ما فُقِد حتماً..
لكنها جميعها قد كُتبت لمرة واحدة فقط دون إعادة.. ولو كان هو
بيننا الآن لرفض أن نجمعها ونهتم بها. كل ذلك لأن حسن مطلك لم
يزعم يوماً بأنه شاعر.. مع أن المعروف عنه بأنه قارئ نهم وناقد
ذواق للشعر ومالك لزمام لغة مدهشة.. فحين سأله الشاعر
عبدالرزاق الربيعي:
"ـ كيف توضح علاقتك بالشعر؟.
أجاب:ـ لقد بدأتُ حياتي شاعراً
لكنني أدركت بأن الشعر يحتاج إلى تضحيات كبيرة، فانقطعت عنه
كتابة لكن علاقتي به مستمرة قراءة وحفظاً.
ـ وماذا عن قراءاتك؟.
ـ أقرأ كثيراً في الفلسفة والأدب. "
فهل انقطع حسن مطلك عن
كتابة الشعر حقا؟.. كلا بالطبع، والدليل هذه النصوص التي كتبها
في الثمانينات، وآخرها (تجربة) بتاريخ 7/12/1989 أي، تماماً،
قبل اعتقاله بشهر واحد.
وكان يخفيها.. ربما وفق مفهومه لصيغة
(الأقنعة) أو ربما لكي "يحمي نفسه من القراء" على حد تعبيره عن
روايته (دابادا) وهو تعبير يمكن مده إلى مجمل نتاجه ككاتب. إلا
أن الحماية هنا لا تتم عن طريق العرض، كما قصد بشأن دابادا،
وإنما بالإخفاء وحتماً يكون القارئ المقصود، هنا، هو قارئ
الشعر. ومع ذلك، فهو في الوقت الذي كان يريد أن يُبعد عنه
العبء و"التضحيات الكبيرة " التي يترتب عليها قبول توصيفه
كشاعر، إلا أنه لم يكن ليتردد بالتصريح عن حسه ونفَسه الشعري
في لغته النثرية، لذا تطيب له تسمية (دابادا) بأنها (قصيدة
غليظة) فيقول بشأنها:" استخدمتُ الشعر، واللغة إلى أقصاها، أي
أنها ممكن أن تتحول إلى قصيدة شعرية أو (قصيدة غليظة) وفي
الوقت نفسه، استخدمت العقل (عقلنة الشعر)؛ أخذت من الفلسفة
وأخذت من الشعر".
وبالفعل ففي دابادا، وكما يصف الشاعر
صلاح حسن، نجد:"روح الشعر تترقرق بين السطور".
ولهذا فإن الكثير من المقاطع المنثورة فيها ستكفينا إعادة
تقطيعها شكلياً لنكتشف مقبوليّة قراءتها كشعر، ومثال ذلك:
"ظل فوق ظل
جزر ومزهريات ومسامير وأنوف
..
في الظل
ربما نسي القلب واجبه مبهوراً
أمام الحياكة المتقنة،
القمر ومساقط الظلال
ضوء
وظل
بينما تذبل البيوت في مركز
الكرة الأرضية
فتذهب الصور ويأتي
الجوع أحياناً
.. تأتي قنازع
القش..."
* * *
"يحس بأنه حزين
ليس حزيناً بالضبط
وإنما يريد أن يبكي
وهو يراقب صوت الفجر المتسلل
بين الأحطاب
وقصب
السقوف
والانطلاقة الأولى..
لعصافير العراق."
ومثلما عرَض حسن مطلك أحد
وجوه شخصيته كرسام من خلال شخصية عواد في دابادا فإننا نجد
وجهاً لشخصية الشاعر في قصته (مداخل إلى حياة سعيد منصور)
التي جعل بطلها الرئيسي شاعراً وكتبها بالضمير الأول (أنا)
لنقرأ على لسانه:
" ما كنت أخشى البلل، إنما خشيت أن
يتسرب الماء إلى حقيبتي هذه ويصيب التلف دواوين الشعر التي
تملؤها.. فأنا أحب الشعر يا سيدي، بل أكتبه، غير أني شاعر
مغمور، لم أفكر بنشر قصائدي". و" لقد انسجمت مع رفاق العمل
بسرعة عجيبة، كل يوم أقرأ لهم ما كتبت، وكانوا يلحون علي في
إعادة قراءة القصيدة.. كل ذلك لا يهمني، فثقتي بشعري تفوق
الإطراء الذي يسبغونه علي". و" إنني أتساءل عن حال تلك المرأة
العجوز (أمي) التي تصنع من فضلات الأبقار أقراصاً للوقود
تبيعها في أكياس إلى بلدة صغيرة مجاورة لقريتنا، سأفخر بها كأم
لشاعر، سأفخر بأنني عشت وبنيت شِعري من ثمن الفضلات". و" في
غرفتي البعيدة (..) وفي الجهة الشمالية صورة وحيدة (للسياب)
بوجه كئيب يشبه حبة التفاح. كنت أعوي مثل كلب في جوانب الغرفة.
لقد خطرت لي فكرة بالتخلي عن كتابة الشعر وامتهان أية مهنة
أخرى. لقد اتهمتني هدى باصطناع الصعاب، لعلها فكرت بأني أفعل
ذلك لكي أجعل العيش معي مستحيلاً.. ولكن لا.. وألف لا.. فأنا
لا أذكر الصعوبات الحقيقية في حياتي، ربما لأني لا أفهم مصدر
هذه الصعاب، أو لا أريد أن أفهم إطلاقاً.. إنما أصور مأساتي
بأنها جميلة، وأنها ضرورية لتجعلني أحس بالجمال بحدة.. وأدخل
في عمق بعيد في أغوار نفسي". و" ثمة قصيدة تنبت في لوزتي
فتلهبني كأنني واقع تحت تأثير خدر ثقيل".
كذلك نجد إشارة أخرى إلى
الشعر والشاعر في قصته (مبعث جديد للحلاج) حيث يقول:" فكَّرَت
روح الحلاج بزيارة صديق شاعر يختفي وراء نظارة سميكة الزجاج،
يلهو بكلماته كما يلهو صغير بكومة أحجار.. يفتح القميص عن قلب
ناري ويذيب بلهيبه الحروف العربية المقدسة. أتراه انتفخ حين
قيل له: أنت شهوة الدنيا.. وأن قصيدتك لحظة نكاح ذات ذروة
وانطفاء؟. هذا الكلب الذي تقوده السيدة أول من يفهم قصيدتك لو
عرف القراءة. لماذا تفرح حين يقال لك: أنت وطواط يدلي برأسه في
مواضع الأسن؟.. على الشاعر أن يموت من أجل كلماته ـ خاطبته
الروح ـ و "إن أعظم الكلمات هي التي تُكتَب بالدم ".
المعروف عن حسن مطلك أيضاً،
وكما أكد هو بنفسه في لقائه مع الربيعي، أنه يكثر من قراءة
الفلسفة، ونحن هنا ومن خلال هذه النصوص، نتلمس، بالفعل، المزج
لما هو حس فلسفي بالحس الشعري، كما هو متجل أكثر في قصيدته
(الأقنعة)، وعن هذا الأمر يستطرد في حديثه السابق، عن الشعرية
في دابادا، بالقول:" وطبعاً ستجد تضاداً قوياً بين العقل
والحس.. ليس تضاداً بالضبط، ولكن لأنه ليس من الممكن أن نطرح
حالة عقلانية بطريقة حسية أو نطرح حالة حسية بطريقة عقلانية
فإما أن تصبح، في النتائج، عقلانية أو حسية.. أنا عملتها
عقلانية حسية أو حسية عقلانية.. يعني الاثنين معاً".
أما عن هذا الإخفاء المتعمد
من قبل حسن مطلك لكونه (شاعراً) وعدم عرض أو نشر قصائده، فنحن
ندرك الآن بأن هذا " الإخفاء" قد أتاح له ممارسة أوسع لحريته
والتي قادت، بالتالي، إلى ما يمكننا توصيفه بخصوصيته الشعرية..
بل أننا نكاد نأول أن تعمده لهذا الإخفاء وإهمال وإضاعة قصائده
إنما هو تأكيد منه واعتراف، ضمني، يقر به مع ذاته كونه شاعراً
وذلك فيما لو حاكمنا هذا الأمر وفق تعريفه هو نفسه للشاعر في
أول قصيدته (الأقنعة) حين قال:" الشاعر: شخصٌ كتبَ قصيدة عظيمة
ثم أضاعها ".
قلنا بأن حسن مطلك لم يكن
يرضى وما كان ليرضى، لو كان حياً، أن ننشر قصائده هذه، ولكننا
نرى بأن أهميته كأديب وخصوصية تجربته الإبداعية وتفرده.. ومن
ثم غيابه النهائي، كل ذلك يبرر لنا الاستفادة من كل ما خطه
قلمه باعتباره إرثاً صار يهم الجميع، ومع هذا فإننا لم نجمع كل
ما نعتقد بأنها أشعاره. فقد أهملنا ما هو قديم كالخواطر
العادية الأولى، وما هو مشكوك بأمره.. أي ما يُحتمل أن يكون
لشاعر آخر أو لأحد أصدقائه، فمن عادة حسن مطلك أن يحفظ وأن
يدون بخط يده القصائد التي تعجبه. واخترنا ـ بعد حذف أل
التعريف ـ أن يكون عنوان إحدى قصائده ـ والذي وضعه بنفسه ـ
عنواناً للديوان (أقنعة) لما حملته من رأي وموقف فكري مضمن في
الشعري، ولأن حسن مطلك، في عناوين بعض مسوداته الأولى ـ كما هو
الحال مع روايته (قوة الضحك في أورا) ـ كان يميل لاستخدام
مفردة (أقنعة) فأسماها مثلاً: أقنعة أورا، أقنعة آدم، أقنعة
آب، أقنعة دلهوث..
أما تلك التي كانت بلا
عناوين فقد اخترنا لها عناوينها من بين كلماتها.
وفي الختام، لا نستطيع
الادعاء بأن هذه هي الأعمال الشعرية الكاملة لحسن مطلك، وإنما
نُبقي الباب مفتوحاً لإضافة ما قد نعثر عليه لاحقاً أو ما
سيمدنا به صديق له.. ومفتوحاً أيضاً لأي تنبيه يتعلق بهذا
الشأن.
* * *
ومن مقاطع إحدى قصائده
نقرأ:
كنتُ حسيراً أنتعلُ الدربَ
أُيمم وجهي شطر جبال الوطن
المجروح،
شطر جنوب الوطن
الدامي.
ابحثُ عن أمواج البحر
عن شيء يغسلُ آلامي.
نساء بلادي باتت حَيرى،
ورجال أَعتقت الروح.
كنتُ جريحاً أترقبُ من يوقف
نزفي،
وشغوفاً مثل حصان يرقب أفراس
النهر،
لكن النخلة كانت تذوي.
الليلة أبصرتُ الموتَ بعينيّ،
يرقص فوقي ويمص بخرطوم البعوض،
وأنا أُبحرُ نحو العمق البحري
..
أستجدي :
يا موج البحر ..
هبني حبة قمح
.. هبني.
الشمس الذهبية تخلع أسمال
الثوب،
تتعرى فتراودني عن
نفسي.
أُغلق عيني فيحرقها ملح الأرض.
كنتُ جباناً أمطرُ وجهكِ
بالقبلات،
وأخنقُ إبهاميكِ
بكفي.
أُبصرُ في عينيكِ غبار الهرج
الليلي ..
ونخلة جدي ذبلت،
وتخلت عن ورق إبريّ.
نخلة جدي أجهضت الحمل ..
وماتت.
خذيني يا ريح شمال الأرض
خذيني،
أعاشرُ أفراس البحر
وأزني بصغار الحوت
فهذا وطني يتعذب،
ويخمد نفسي بأصابعه الدموية.
مجلة
(ألـواح)، ص141، العدد 11 سنة 2001، مدريد.
مجلة (الطليعة الأدبية) العدد 7 – 8 تموز - آب 1984 بغداد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن موقع (فضاءات) الثقافي، في تموز
2004م.
|