قصة
إشارات قبائل القاعة
حسن مطلك
حين جاء
الصيف، أصبحت لديه ربطة عنق جميلة. في المساء، عند هبوط
الملائكة، إذ يلقي الشفق بآخر وقفة على جدار غرفة الشخص
المرتفعة قريباً، أو قريباً جداً من سُحب السيارات فوق مجاري
المدينة.
أية امرأة
سليمة ستقول: "الوقت مساء".. وقت خاص بصالات الاحتفال، إذ يخرج
الظلام من الزوايا المنسية، من شقوق الحيطان، من جيوب
الرصيفيين.
كان شاهقاً
قياساً إلى البلاطات المستوية والمنتهية بحدود حفرة فأر في
أقصى القاعة، في أقصى العالم، في أقصى أي شيء.. قاعة كبيرة
بحدود إمكانيات البصر. فارغة. فارغة جداً، صحراء من الضوء
الشديد، ومسمار في الحائط لتعليق شيء ما.
ثمة شخص
آخر ـ مثلاً ـ يتمشى خلف الجدار. سمع وقع خطاه كأنما يضع في
رجليه خفين. الوقع يدور حول شجرة أو عمود أو برميل قمامة، خارج
القاعة ـ إذا كان لها خارج حقاً ـ.
عندما كانت
الجدران تتوازى، لتلتقي هناك، اكتشف منفضة سجائر، وستارة
مخلوعة مدلاة بخيط رفيع، ممراً دائرياً مجاوراً للشباك حيث
مغسل التجشؤ دون صنبور.
كان يقيس،
في الصباح، مدى ملائمة ربطة العنق مع لون السترة، كما يقيس
ببصره الذي كسّرته الكوابيس ارتفاع السكن عن بقعة السقوط
(نفترض أنه أسند بإصبعه النظارة ذات العدستين الدائريتين).
هناك، حيث يئز النحل فوق رؤوس الأعشاب الملتهبة بدورة فوضوية
ابتداءً من مدخل البناية المضفور بأزهار الجهنميّة والآس
الأسود وحتى إناء مخاط الزائرين عند الباب الداخلي. كان ينقل
بصره بين كرسي البواب وبقعة السقوط المحتمل، وهو متقوّس بأقصى
إمكانيات النحافة إلى قاع سكنه في السطح. يعد أحياناً عوارض
حاجز الحديد، ولكن فرشاة الأسنان معلقة ـ مجرد صورة من صور
العالم العرضية ـ مسمار يخترق ثقب مقبضها، إنها مشنوقة حتى
موعد الاستعمال، ولكنه مصاب بعسر التنفس، إذ قبض عليها وقال:"
هذه فرشاة أسنان، نعم إنها فرشاة أسنان.. نعم إنها فرشاتي..".
ظلت الجملة تباغته لأيام متتالية في المكتبة الوطنية أو في
موقف الباص؛ "نعم إنها فرشاتي ".
ابتعد وقع
الخفين، حدث أن رُفِسَت علبة بسببها، ثم رُفست واستقرت خلف
القاعة. لقد انسحب المحتفلون وحملوا معهم الكؤوس والطاولات
وأحذية النساء، وتركوا خدوشهم على الحائط، تركوه في صحراء
الضوء يتنفس هواء الزفير، وحيداً مع الفأر والمنفضة والستارة
المدلاة. كان الفأر، ينتصب على مؤخرته ضابطاً توازنه بطريقة لف
الذنَب على شكل حلقة، ليتسلى ـ وهو يدير عينيه الذهبيتين ـ
بالتواءات بقايا دخان السجائر عند مصادر الضوء بالضبط، في
منتصف القاعة ـ إذا كان ثمة منتصف لها ـ.
ظل الفأر
حذراً عندما أراد الشخص إغراءه ببقايا كعك الحفلة، في زاوية
جيب الصدر. ولأن ظله الخطي يتسلق بداية الجدار وينكسر بانكسار
الستارة المدلاة، بفعل مصدر الضوء الأرضي، فقد استنتج أنه يدب
بخوف، بحزن، بتواضع، بكبرياء، بدهشة نحو مصدر الرائحة، إذ تحرك
عقرب الظل على ميناء الستارة الحمراء مشيراً إلى الواحدة ليلاً
حسب توقيت القاعة.
نظر الشخص
في عينيه، كانت عيناه ذهبيتين، رغم تبدل ألوان مصادر الضوء. في
الفأر حنان، كل فأرة أم لفأرة أصغر، هذا القارض الرقيق المتوحش
ـ رقيق كبنان الجنين، ومتوحش كبعوض البرك ـ. إنه يُرجِف شاربيه
ويقترب. يبسط ذيله ويقترب، حتى اجتاز ظله الخطي مساحة الستارة
كلها. ها هو ناعم قريب، قريب جداً بحدود امتداد الذراع، لكن
الشخص جامد ومنفعل..
سمع صدى
صوته بين الجدران: "انظر،، انظر إلى الفأر!!"، فانسحب الصغير
برشاقة تموه حركة الأرجل، حركة كرة مدهونة على البلاط.
عاد وقع
الخفين خلف القاعة، ودار حول شجرة أو عمود أو برميل قمامة. دار
دورتين، ثلاث دورات.. ثم رفس علبة فارغة. تحرك الشخص بحركات
دائرية واسعة ونفض ذراعيه ثم شمّ الستارة ومصادر الضوء.
مشى على
الضوء حيث صار الفأر على مسافة قفزة من الجحر وانتصب على حلقة
ذيله، وحرك شاربيه ليشم بقايا الكعكة وحلقات دخان السجائر عبر
الهواء. ذهب الشخص إلى المغسل، وقوس ظهره بأقصى إمكانيات
النحافة؛ " هوع.. هوع.. هوع..".
عندما
ابتدأت الحفلة، كان الغروب يسقط على الأشجار، وكانت الشقائق ـ
في الربيع القادم ـ تتململ للنوم خلف الزجاج. بدأت أحذية
النساء بالتحرك باتجاه القاعة، ثم تبعتها أربطة أعناق الرجال.
حدث أن سأله البواب:" هل جربتَ أن تمشط شعر امرأة؟". وقام
ليغلق الباب غير أنه أبصر المرأة الشمالية تقرأ (زوربا) مسافة
الطريق من البيت إلى القاعة "يسمونني مِجرفَة الفرن" وتعثّرت
بالرصيف. ابتسمت للشخص. فتح عينيه في الصباح: فراغ من كل
الجهات، لا شيء، لا شيء مطلقاً. وحدها فرشاة الأسنان تتعاطف مع
محور المسمار.
جلست أمامه
فأخبرته أنها كتبت بسرعة ـ وهي تلوي خصرها أمام المرآة لاختبار
صلاحية عقصة الشَعر ـ "كان يوماً من أحلى الأيام". ثم سألته
وهي تقرض أطراف كعكة:" ما رأيك بالحُب؟".
ابتعدت
قرقعة الخفين إلى هناك، إلى الأسفل ـ أسفل أي شيء ـ حيث خط
الأشجار الداكنة في ظلمة بلا قمر، إذ تكشف أضواء السيارات، في
لحظات مبعثرة، ذلك الحب النحس بين جذور الأشجار وكونكريت
الرصيف.
داومَ
المجيء إلى الحفلة كل يوم. قبل أن يكتمل العدد ويُغلَق الباب،
بعدها يتم إفراغ القاعة من الظلام. "هل ترقص؟". امتد بصره في
خط مستقيم منتظراً انفراج أرجل الراقصين لكي يحظى بجحر الفأر
في أقصى سجادة الحجر. كان ينبثق له ثم يختفي بومضة سريعة، شكل
نقطة سوداء هناك. هناك جداً. شعر برجفة نغم داخلي، رجفة الوجود
الرائع ـ الفأر وفرشاة الأسنان ـ "انظر،، انظر كيف تتدلى
بانتكاس حُر وتتعاطف مع محور المسمار!!".
انزلق
رداؤها بسبب الضحك دون أن تكلف نفسها عناء سحبه فأدنت له
كتفها. تفاحة. موزة كبيرة.. شيء من هذا القبيل ـ خذ هذه الأنثى
لك، إنها بريئة بقدر إنكارك لهذه السخافة. أجود أنواع البسكويت
علامة الجَمَل ـ.
رسمت
بقامتها قوساً في الهواء، واستأذنت بإشارة معروفة من إشارات
قبائل القاعة، إذ همست لصديقتها:" أعتقد بأنني أحب هذا الرجل".
وكسرت بطنها لتحبس الضحك ـ من أي مصدر يجيء هذا الضحك؟.. من
أية حاوية في الجثة الراقصة؟ ـ.
كان
طريفاً، رومانسياً بموازاة الحائط، ولكنه يحب الفأر. نادته من
أعماق الحفل:" خذني، لم أعد قادرة على الوقوف". وبكل ما يملك
الشخص من هدوء أخذ يبكي..
نقل بصره
في الأبعاد الستة للفضاء: الضوء والظلام. الإبصار وعدمه.
الأمام والخلف. الفأر والإنسان. المرأة والمشط. يمكنه فقط رؤية
الأعلى والأسفل البعيدين، لكن جزءً من القاع مختفياً أو ميتاً
تحت حذائه كلما أمكنه الانتقال مسافة جسد ممدد أو طول سيارة،
فإن المنطقة الميتة من القاع ملتصقة بنعليّ حذائه ـ في البدء
كان الظلام يعم كل شيء. الظلام أم الضوء؟. هل كانت القاعة
مظلمة أم مضيئة؟. قال لمنفضة السجائر: في البدء كان الظلام،
إنه مختمر، أزلي، مطاط، مطمئن، ممدود في أقاصي الفصول، في
أماكن يعجز عن وصولها الضوء. وقال للفراغ، إذ أنه يعلم بوجود
الخفين خلف القاعة: لا يمكن تسليط الظلام على الضوء، بل يمكن
العكس، ولهذا فإن بسكويت الجَمل أفضل أنواع البسكويت علامة ـ
وهكذا عرفته المرأة الشمالية:" أؤيدكَ؛ الظلام هو أصل الأشياء،
ولكنكَ يجب أن تؤمن بزوربا ".
أخرَج
الفأر رأسه من الجحر، ظلام الاطمئنان، وأفرد شاربيه علناً، ثم
تنزه عند خطوط تلاقي البلاطات.
في المساء
الماضي، صعدوا إليه في منطقة السكن، على السطح، يدحرجون شبح
امرأة على السِلّم، يتضاحكون عبر الالتواء الحلزوني. قبعَ خلف
شق الباب ليوزع عينيه بين فرشاة الأسنان وبينهم، أو إليهم
رأساً عند حاجز السطح. كانوا يقتربون من المرأة "أحبك حتى
انقطاع النَفَس". التقت الرؤوس الثلاثة، وقوفاً أمام ومضات
لافتة إعلان البار. امتدت أيديهما إلى منتصف المرأة. صاروا
شبحاً واحداً، غير أن أرجلهم متصالبة يخترقها الومض الأحمر ـ
سيقان غابة في مشهد الغروب ـ. انتزعوا من جسدها قطعة صغيرة
سوداء. ضحكت، وأهملت رأسها إلى الوراء، لذا فإن الفرصة أصبحت
متاحة للرجل الأمامي لكي يأكل عنقها. وهي تضحك. نظر إلى فرشاة
الأسنان الحرة المتعاطفة مع محور المسمار.. أعاد بصره نحوهم:
رجلان فقط، فأين المرأة؟ "أحبكِ حتى الموت"... والتصقا.
في الصباح
نهض مبكراً ليطمئن على فرشاته، لكنه توجه إلى حاجز السطح: رآها
ممدة في بقعة السقوط، نصفها الأسفل عارياً وبريئاً، ورأى النحل
يحط على فمها القرمزي...
سار ظل
الفأر الخطيّ على مساحة الجدار، فهو يقترب. يقترب. يقترب...
كانا
يقاسمانه سكن السطح، إذ تتأخر خطواتهما خلف الباب، عندما
يبحثان عن قالب الصابون بين أكداس الأشياء لذلك يبعثران
ويكشفان.
جاءه (ف)
وابتسم له طوال الليل ليؤكد صداقة متينة:" اعطني سيجارة، فقد
نسيت سجائري هناك". ـ "اعطني سيجارة فقد نسيت..." ... إلخ. قال
(ف):" لديّ شخاطة، صدقني عندما أقول لك إنني أميز المرأة من
مشيتها وطريقة كلامها. عِدها بالزواج وافعل بها ما تشاء. رأسها
مصبوغ. شفتاها مصبوغتان. قال شرطي المرور اعطني رخصة السياقة.
اسمها جليلة. وزنها ثمانون. جاءت شاحنة إلينا مباشرة.. الله ما
أكثر حوادث المرور!!.. متى ترفع بصرك عن هذا الكتاب؟. اعطني
سيجارة أخرى لأترككَ تقرأ حتى تصاب بالعمى. تخيّل اسمها
جليلة!". وذهب (ف) إلى دورة المياه. بعد ذلك سمع، الشخص، نزول
الماء بقرقرة.
جاء (ح)
وطلب أدوات الحلاقة، وطلب سيجارة أيضاً. سمع (ف) يتمخط قرب
فرشاة الأسنان ـ الفأر يقترب ـ. بإمكان الشخص أن يحكم على قدوم
الربيع إذا رأى بقعة حمراء أو صفراء بين الصخور، الأعشاب
المضيئة، وأشواك العام الماضي تشك حبات الندى من المنتصف. إن
الطيور مبعثرة في الفضاء. دفقات سوداء تخرج من ثقوب التلال
فتحجب الشمس عن عين الراعي المطمئن إلى مزماره ـ ساعة سايكو
تعطيك الدقة في الوقت (صوت من الراديو) ـ.
(ح) رجل
آخر يشاطر (ف) الغرفة: يسكنان معاً بجوار فرشاة الأسنان. ثمة
أكوام من الزوائد عند العتبة، حيثما يمد ساقه يجد شفرة حلاقة
تهدد إبهامه. هذا الـ (ح) مولع بالإعلانات، وقد ملأ جدران دورة
المياه بصور الـ...
هناك سهم
أمامك، تتبعه، ثم تتبعه. كل ما في الأمر إنه يجعلك تتلفت في
تلك العلبة العطنة، ثم تضحك أمام الجدار. حيث تدب الصراصير
القهوائية بين الساقين، وتُسمَع في الأنبوب قرقرة المياه..
فكر الشخص
ـ عند أذنه اليسرى سلسلة مدلاة ـ إن السر يكمن في تلك اللحظة
الخائنة. مطر يسقط خلف الزجاج، يسيل على الزجاج.. آه يسيل..
سلاسل من الفضة. وهناك كلب مبلل تحت شجرة تين. طقس كاربوني.
تبرق السماء فيستقر البرق في عينيّ الكلب.. لكن الصراصير
القهوائية..!.
فكر الشخص
بالأبدية. ما من شيء أفضل من منظر الشقائق خلف الزجاج، كلب
مبلل تحت شجرة تين. برق. برق. ثم هدوء من أعماق الموت.
اقتربَ
الفأر بحدود امتداد الذراع. كان جميلاً يُحرض على اللمس. اكتشف
الشخص، كلما حرك إصبعيه أمام عينيه الدائريتين؛ أهمية الصمت
حتى ذلك الوقت لغرض تبادل الثقة بينهما لحين سقوط الشفق على
مقبض فرشاة الأسنان. الوثوق الأولي بالأحلام ومشاريع الرؤيا
الخاصة. الوثوق بتلك الفردانية، وإنه وضع لنفسه نوعاً من المدى
الممكن لإيصال حصاة مقذوفة، أو زمن ممكن لإيقاف التنفس. إن كل
ما يجري في حياته يؤكد ثانويتها حتى الأحلام المرة في زجاجات
البيرة ـ يومياً ـ. طاقة الخيال التي لا تُقهر، رغم الترتيب
المزعج لملابس النوم على المشاجب المسمارية. هكذا جاء الفأر،
الحلم به، إرهابياً، هاتكاً، مفضياً إليه بسر العزلة عند
اشتداد الرقص، لكي يهمس بكلمة لم يقلها أحد، والتي يجب أن
تأتيه طائعة ذليلة، حين أصبح على بعض اليقين بأنـ (هم)
يتكاثرون بفعل الرقص الآلي.
تشمم الفأر
طية سرواله. أحس بوجوده الأكيد، وبأساليبه التي تلغي كل إحساس
بأهمية مصادر الضوء والجدران. تَمثل تلك اللحظة، انبثاق في
حياة وحيد فائض الحس، إذ كان يجتر في الأماسي المحتضرة ـ حين
يجب النوم ـ لذة الأمل بالتحقق والاكتشاف.
تسلق الفأر
مرتفع الركبة ثم استوى على الفخذ، تراجع إلى منحدر الركبة،
وبوثبة الحرمان تموضَع في الكف بعينيه الذهبيتين الوديعتين،
ووبره الناعم المعطر كوبر طيور الماء الزغِبة. لم يستطع إبعاد
فكرة الخديعة عن رأسه، ولكنه كان يضحك ضحكاً سرياً مخافة أن
يفزع الفأر، أو مخافة هروب الذكريات لحظة الاكتظاظ.. يمكن أن
تذهب جميع الصور خارج حدود الرأس باستثناء صورة صبي حليق،
والمعلم يقول:" إن لم تكتب الواجب بنفسك، سأدق هذا المسمار في
قرعَتِكَ.. هل ترى المسمار؟.. هل تراه؟".
ثمة شخص
آخر يحبه:" رائعة هذه المرأة يا صديقي، أؤكد ما قاله البواب إن
كنت قد جربت أن تمشط شعر امرأة؟". وعندما اشتد الألم في
أمعائه. قالت:" ما رأيكَ بالحب؟".. رفع عينيه إلى الأعلى وقرأ
اللافتة:" اسحب السيفون رجاءً ".
آب 1985
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت في مجلة
(أسفار) العدد 4/ نيسان 1986 بغداد.
|