مجلة ألواح

 
   

ــــــــــ نصوص ــــــــــ

يوميات

الـعين إلـى الـداخـل
(ومضات حُـرة)
" عندما تكون العين إلى الداخل؛ تعكس صورة العالم دائماً "

حسن مطلك

ــ I ــ

     أتمنى أن أجد، على نحو سقوط الشهاب في الظلمة، أولئك الذين أخلصت في عشرتهم فيما مضى، وتخلو عني ببطء. أجدهم فجأة في غرفة مغلقة، لأحاسبهم، وأنا مسيطر عليهم ضمن ارتفاع زمني كاف يتيح لي أن أرى تلك الأخطاء الغبية وهدر الوقت الثمين والانفعال الأخوي المزيف. أراها برؤية ( الآن ) الذي يشرف على الماضي ويقيسه بمثابة ندم على حياة عشناها دون أن نعرف ـ آنذاك ـ أنها لنا... لربما كحلم حلمته عن مضاجعة الممثلات.

  كنت نائماً، وكان ضيوفي الأعزاء في بئر عميقة، فسقطت حين أردت أن أخدمهم؛ سقطتُ مع (الصينية) سقوطاً سريعاً يضغط عمود الهواء، ولكنه سقوط واعٍ لا يسبب الأذى، عندها استقبلوني على حافة الكراسي بسخرية تشبه تلك التي نرى الناس فيها يسقطون فنشيح بوجوهنا لكي لا نُشعرهم بأننا رأيناهم يسقطون. نضحك في جلسة الضيوف ــ الشارع. الحجر المُكَدِّم هناك، ضحكة مضغوطة أمام بائع العصير الذي يعتقد بأننا نعاني من العطش، فيُضيّع ضحكنا، يذوّبه، في صوت انسكاب العصير.

ــ II ــ

   من منكم سيُـقدر انقطاعي هذا؟ لطالما أغلقت باب الدخول كي أفتح النافذة على العالم، حيث الثمار الذهبية مخبوءة تحت الأوراق. مثلاً: من يعرف عالم الحشرات السري؟.. عوالم أخرى تحيا فيها الأشياء التي نظنها جماداً، لأنني بالتحديد، غير المحدَّد أبداً، أتمتع بحسٍ دونجواني. أرجو أن تأتي امرأة ولو لمرة واحدة، تمثل جميع النساء، لكي أفتح لها الباب المؤدي إلى النبض، باب القلب. المقبض. مقبض المقلاة، حيث يمكن غلي بعض العواطف، أو بعض شرائح اللحم لأجل جلسة سرية في مكان سري، وكأس من شراب الحنين إلى شيء سري، ورقص داخلي.. عندما تكون العين إلى الداخل تعكس صورة العالم دائماً. وقفة أمام مرآة تصفيف الشَعر. دكة. الأدوات التي تنتهي جميعها بالقلم.

 ــ III ــ

  ليس ثمة ما يجعلني..

مشاعر لا يمكن وصفها إلا بعد فوات اللحظة بسبب الاستغراق حين صدمني حائط مهدم في منعطف شارع، توقفت: أخبرني ما الذي أراه؟. الحقيقة أنني توقفت أمام دكان الحلاّق، فقد تذكرت بأن هذا هو الموسم السنوي لسقوط شعري، الذي يجب أن يكون قصيراً إلى حد ما لكي لا تتعب البُصيلات في عملية التغذية، والتغذية تأتي من رأسي. تذكرت: أنه ليس أول حلاّق أتوقف أمامه، فقد توقفت أيضاً أمام دكان البقال بعدما مررت بعدة بقالين. تذكرت أن أمي أوصتني بجلب بعض الخضار. الآن، دقت الساعة في الغرفة فأجفلتني حتى حككت رأسي؛ شَـعري طويل. آه.. لقد نسيت أن أذهب إلى الحلاّق، لأن أمي قالت:" أين الخضار؟". لقد صدمني الحائط المهدم: شيء يُذكِّـر بالرحيل أو العدوان. كانت هناك ضحكة ومشجب ملابس على الحائط، وبعض آثار تدل على تزحلق مسند كرسي.. ربما يُذكِّـر بالنسيان.

ــ IV ــ

  كان الشتاء يحيط بالغرفة يوم الخميس، حيث أضطر لاستخدام السُلّم للوصول إلى غرفتي، فلا بد أنني كنت غاطاً في أحد الكوابيس التي تصنعها لي مهارة الخيال في لحظة غيابي، كذلك مرت بقرة تتبعها صبيّـة فوق حمار، مرّ فلاح يتبعه فضوليّ يقيس مقدار تعبه لكي يتمكن من قياس وفرة المحصول فيما بعد، لأجل الحسد ربما، بينما كنت نائماً في النهار فلا أعرف حقاً؛ إن كان فلاحاً يتبعه فضولي، أو بقرة تتبعها صبيّـة فوق حمار، ولكن لابد من ذلك، لأنني كنت غائباً حين سمعت خطواتها في الحلم فاستيقظت.. فكانت خطواتها في الممر، إذن فقد استعملَت السلّم.. ربما فاتني السلّم في الحلم.

  لحظة لا يمكن إحصاؤها، حتى أنني لم أعد أميز، لو لا علبة السجائر التي أحضرتها في الوقت المناسب حين نفدت سجائري والتجأت إلى النوم تجنباً للحاجة إلى الدخان، ولكنني حلمت بأنني بحاجة إلى دخان، لو لم أستيقظ فأجد العلبة وأشم آثار العطر في ملابسي، قلت أشم رائحة النيكوتين، عطر المرأة، نيكوتينها المعطر، بعدما انقضت فترة قبل سفرها. كنت بارداً تجاهها تماماً، فكيف أصدق أنها جاءت ثم ذهبت فعلاً. لا أذكر أنني رأيتها تماماً، بينما أستطيع أن أتذكر بأنني عانقتها وقبلتها ثم شكرتها على علبة السجائر. وكان النوم بمثابة هروباً يختصر لي الوقت حتى موعد رؤيتها مرة أخرى.

  ومنذ يوم الخميس صرت حاد العاطفة، شديد الحساسية، أتذكر تلك المرأة، كأنني ألتقيتها قبل سنوات: أين؟ متى؟.. طعنتني وذهبت، فغبتُ تحت الغطاء. آثارها. هنا جلست. هنا قالت: أحبك. وقبلتني ثم دست الرشوة تحت الوسادة لأنني أحب التدخين، وسوف أحب من يُسهل لي أمر مواصلة التدخين. وهي تعرف أنني رجل كسول ولذلك أنام في النهار. متى حدث ذلك؟ لم أعد أذكر. خفت. إذ ظهرت لي من جديد مشكلة الزمن والحاجة إلى إثبات الوقت بنسيان الساعة، كأنني لم أعش.. كأنني من بلاد أخرى..

*          *          *

  حين استيقظت، توجهت فوراً إلى إبريق الشاي، ولكنني بدلاً من أي شيء، أمتع نفسي يومياً بمشهد الفجر لحظة انسحاب الحيوانات نحو الدغل. أزحت الستارة بحركة حذرة من إصبعي: طقس نحاسي، والشمس تنحدر نحو الغروب، فانسحب المشهد ببطء نحو الشمال حين أظهرت الثعالب رؤوسها متهيئة للإغارة على القرية. فكرت بكلمة ( سعادة )؛ برودة هذه الكلمة وخوائها، عندما قارنت كل شيء هنا بلحظات الارتعاش، أيام كنت مجنوناً بموسيقى ( شوبان ).. في لحظات لا يمكن الإحاطة بها ولا يمكن تحديدها أبداً. كيف أُصبح سعيداً دفعة واحدة وبلا متاعب مسبقة؟. عطر النيكوتين، أذن الثعلب. أستيقظ بينما تغرب الشمس..!. إننا لا نستطيع أن نتذكر بالضبط أيامنا بدون أن تكون ثمة نكبات أو زلازل نفسية وجرح يُنكأ كلما تقدمنا بخطوات حرونة نحو الشيب مرة أخرى: السر يكمن في المشهد الشمالي، بالضبط.. في اصطياد هذه الفكرة لكي نكون أفضل دائماً. أنا بالتحديد، ألاحظ بأنني مازلت أحجز الستارة بحذر إصبعي. ينزلق البصر نحو إبريق الشاي فيدخل ضوء الغروب ويلوّن كل شيء. وأقول: انني أصبحت سيئاً إلى حد ما لأنني أريد أن أعرف ما الذي تفعله هذه المرأة بعيداً عني؟ مع من تتحدث؟ مثلاً: هناك ليس لهذه الإشارة من تحديد طالما أن الأشياء تتلون جميعها بلون النحاس، لذلك يجب أن أكون أكثر سعة، لحظة العودة للإمساك بتلك الفكرة التي تقفز لتصبح جزءاً من المشهد اللانهائي.. مشابهة لكل فكرة عن المرأة التي جاءت ثم ذهبت...

ــ V ــ

 بعض أساليب الكتابة تصنعها عادة الخوف من الفئران، ولا بد أن الأمر كان كذلك بالنسبة لـ(مارغريت دورا) مثلاً. الحذر في القول وعدم التأكد. قد يعود الأمر، بالنسبة لي، إلى عادات خفيّة تعلمتها في الطفولة؛ إحساس سري يوجه اللغة، نكران للحقائق وعدم تصديق البصر، والشك الدائم بحقيقة وقائع الحياة.. فكل ما يفعله الأديب لكي يُدهش الناس، هو وصف العالم بعين طفل.. بغياب كل ما هو موضوعي والتساؤل الدائم وتحجيم الأشياء الصغيرة، والإصرار على إضفاء معنى معين لكل ما يحدث.

ــ VI ــ

  لو أردتُ أن ألتقط صورة مؤثرة للظلام. أُفضل أن أحتال لكي أقلب الذكرى من صورة امرأة عارية في ليلة القدر إلى تأمل في حياة النمل، ولكنها كانت تبكي بطريقة من يندم على مذبحة. فوق السطح، لم يكن ثمة شيء سوى الله المنذر ـ من مكان جد مرتفع ـ عبر صوت المرتِل الحزين التائب بعد العصيان المتعمد: سطح لبيت أحد الأصدقاء تحت القمر، بعض الأشياء المهملة التي نُسيت لحظة الأزمة. غصة الخطيئة. خجل من ذلك السيد المرتفع الذي نهى.. تبكي.. تبكي.. تبكي.. ضياعها. أحتضن. خجل. غطاء سميك في الصيف مخافة أن ينظر. لحظة مرعبة، ربما يسقط السقف منبعجاً إلى قعر الجحيم، والجحيم تصُوّر لأن نار النفط تتلوى في نهاية خط البصر وتتسع عبر الدمع حتى تلامس النجوم. تتسع باتساع الخطيئة. تتكور المرأة فتكون نصف برتقالة.. كخوف يخاف.. كتمرد. وأنا، ما الذي سأقوله لله حتى أهدئها؟.. من نحن؟ ولكن لماذا يكون الله ضد رغباتنا في أن نتعرى في ليلة القدر بلا خوف منه؟.. فأما أن يُساعد أو نَعصي.

ــ VII ــ

  تمنيت أن أجد أولئك الذين أخلصت لهم، مرةً، فجاءوا إلى بيتي على نحو سقوط الشهاب في الظلمة، فجأة، فبدأوا يحاسبونني بعدما استفقت من نوم هروبي، وأعطيتهم الوقت ليفرغوا صواعقهم عبر مغناطيسيتي الثابتة في الأرض. والآن أصبحوا ضيوفي فلا دفاع مني ولا هجوم قبل تناول الغداء.

  الحكاية قديمة، تمتد إلى عصر الجلوس على حافات الأرصفة وعض الأصابع والأناقة الزائدة لأجل اختصار وقت الوصول إلى مَن نُحب، لأن طاقة الفكر الخالص لم تنفع آنذاك معزّزة بدفقة النشاط الأولى لتفتُح شبابنا، حيث لم يكن القدر أو المستحيل ولا حتى الحظ المضحك ضمن حساباتنا. أيام كنا مهووسين بالإنسان النيتشوي ودفقات نبع الجنون في موسيقى شوبان وقدرة مقاومة الجوع لأجل الرشاقة وقلة المال.. حين كنا نأنف أن نُصنف أنفسنا ضمن الابتدائيات من حيث القدرة على إقامة علاقة تشبه الانشطار، كذلك معاناة الدرس للتغلب على أساتذتنا في يوم ما.

  كانت هي واحدة ضمن قطيع النساء، تحتل المكان المخصص لها في الوجود، في الباب، في الكافتريا والشارع.. ثم في القلب عبر وسيلة الغرور التي تقابَل بغرور مني، ولذلك فهي عرضة للزعيق من أحدهم بقصد الغزل. قوام نحيل تحوّل بمرور الأيام إلى استثناء، ليس في حسابات عرض الأزياء، بل في حسابات السرير، حيث من المحتمل أن يدخل أحدنا دورة الملاكمة ليصنع لها وسادة من ذراعه ويدافع عن جمالها بالذراع نفسها وقت اللزوم.. ولكنها تلك الرقة التي تهزم القاتل، تحولت بمرور الأيام إلى قصة ميؤوس منها بسبب تقلباتنا في الليل وحاجتنا إلى الخيانة، فذهب كل منا إلى جهة كما في الحكايات الخرافية، لنجلب مهر الأميرة جلبنا النساء من بلاد بعيدة، بينما ظل واحد منا إلى جانبها لأنه لم يكن يريد الدخول في المسابقة وفاز بها الذي لم يسابق، ليس لأنه خائن، بل لأنه وفيّ لنا جميعاً، ذلك الذي جمعَنا فيه ليثب وثبة النمر الرقيق.

*          *          *

  صباح حجري. القرية مقبرة. النافذة مفتوحة على برد الصباح، برد أول الشتاء، ونمت بعد الفطور لأنني شعرت بعجز تام عن القيام بأي مجهود.. لا رغبة لي بأي شيء، ولا حتى بالقراءة كعادة يومية، إنما أرغب، بالضبط، أن أفرّ إلى جهة ما: ربيع بلا نهاية، أوخريف منسحق مثلاً. ربما فكرت بأنني بحاجة إلى شيء للتسلية، حبذا لو أستطيع أن أتمنى السباحة في النهر على الأقل. وربما لا شيء. الجسد.. جسدي هذا الثقل الذي أكرهه. آلام تُذكرني به، وآلام بآلام أخرى، على مشهد مفتوح لخريف محطَّم، منظر رأيته ذات ليلة وتمنيت أن يزول بسرعة لكي أتذكره دائماً، منظر البعوض الميت على أسلاك الشُباك.. التجاء أخير. أُعرّف السرير بالنعش.

  أخيراً: كيف أصطاد التجربة بالكتابة؟ يبدو أنني لم أعد أستطيع أن أكتب عن أي شيء، عن تجربة شخصية خاصة، لأنني سوف أستغرق في تأمل الأشياء التي تتحول إلى ما هو أكبر مني، هذا المعنى الإلزامي، هذه قائمة السرير الكروية، ركبتي. الخشب يتألم، فما معنى أن أتعرف بالناس؟ انه لشيء رهيب أن أجد نفسي معزولاً عزلة الأشياء المنسية في مخزن.

  قلت: لعلها تجربة نادرة أن يقتحم البيت صديق حساس كان يكلف نفسه بمهمة إيصال رسائلي الغرامية إلى امرأة أحببتها ورفضتني لأنني أتكلم بلغة العقل، أن يجيء ليقدم لي تلك المرأة قائلاً: انها زوجتي. متى وكيف ولماذا حدث ذلك؟ بينما مازلت محطَّماً تحت وطأة الإحساس بأنني والسرير شيء واحد. أن أنتقل فجأة من موضوع ميت، تأمل في الموت إلى موضوع رطب، عاطفي، غيرة، تجربة حب مؤلمة. أن أنتقل مثلاً من معالجة جدول الضرب إلى الرقص، أو من مشهد تصليح شارع إلى ركن هادئ لسماع الموسيقى. أعتقد أن مثل هذه الإنتقالة الفجائية كفيلة بتغيير فكرة التشابه في اليوميات، إلى موضوع يخص الأمل بتنوع الحياة، لحظة يمكن أن أعتبرها قاسية ومريرة، أن يضبطك شخص وأنت متلبس: ظلام تمارس فيه العادة السرية. ضوء فجائي!!.

  هل يمكن نقل هذه التجربة الصغيرة إلى تصورات أخرى؟ في الأدب مثلاً؟ في الحياة مثلاً؟.. شيء يشبه القدر. وكان عليّ أن أتنفس بسرعة وأن أقوم بإعداد الشاي بدلاً من تكليف زوجتي، ليس لأنني أريد أن أُشعر صديقي وزوجته بالتقدير، بل لأنني لم أعد أطيق احتمال المشهد دون أن أقوم بحركات زائدة، أحرص على أن تكون منطقية، مع ذلك فإنه يُشَـخّص:" أنت مرتبِك"، لأعترف:" نعم أنا مرتبك لأنكم.. لأنها مفاجأة.. لأنني: أنا وخشب السرير، لقد كنا معاً شيئاً واحداً.".

  إنني لا أستطيع إكمال المشهد.. أعود إليه فيما بعد.

ــ VIII ــ

  مكان على الطرف، والطرف حافة، والحافة منحدر تل مفاجئ ينتهي بمنخفض عريض يأخذني لمدة ساعة وسط الأدغال والسواقي المهجورة لكي أصل إلى النهر، لأجل الوقوف في لحظة تأمل، هي في الأصل لحظة غباء تكشف عن تخشب البصر في نقطة ما من حركة الموج بمثابة عيّـنة من للنهر كله ابتداءً من المصب، لأن المصب أكثر قرباً بالنسبة إلى مكان وقفتي التي تبتعد عن مصدر المنبع.. مكان لا يمكن أن أصله دون تخيّل.

  الزمان مظلم في طرف القرية. أعِد نفسي بمشاريع، عندي أمل بالأمان وسط طقس مخلخَل، محمل بصدى صرخات ومواء حيوانات جائعة، لكنها ليست ظلمة كاملة. أحاول أن أكون حراً.. بل ظلاماً شفافاً، وهو يجعل حريتي أقل طالما أنني مازلت أعتقد بخرافات قديمة؛ جسد الشبح الهلامي، أو مخالب حيوان قرب خزان الماء، إذا استثـنيت البعوض الذي يجعل الحياة أكثر واقعية مما نراه بشكل خادع. ولا حتى هذا.. بل هو شيء يبشر بتصور؛ أن الليل الحالي بلا نهاية. وهي طريقة وحيدة لكي تجد الحيوانات فرصتها في تربية صغارها على العض، ولا حتى هذا. بل هناك عمل آخر، كعد بعض الدراهم التي أعرف أنها أربعة عشر.. فقط كوسيلة للتعبير عن العجز بالاعتراف أن هذه اللحظة جزء من العَـدم السحري.

ــ IX ــ

  وصف لاختراق المألوف. تبدو الأشياء مترسبة في قعر الغرفة، غاطسة، واثقة من مكانها: الكرسي الذي يجلس بثقة مهيئاً ذراعيه للاحتضان، ولكنه يبدو مائلاً حين أميل برأسي في زاوية لأراه عبر قدح زجاجي. القدح يستعمل أحياناً للماء. أشياء أخرى: سلسلة مفاتيح، لكن المكان مملوء بامرأة تعاني من آلام العادة، فهي تخرق التعليمات الطبية وتنام نوماً خاطئاً، على بطنها، وقد استعرنا بطانية الحارس لأجل لحظة خلوة فوق الأرضية الصلبة المحفّرة.. بينما هناك، تصفر الريح المغبرة خلف النافذة، تطير بعض الأشياء وتتحرك الستائر الأربع الصفراء، وقد استعنت بدبوس لتثبيتها لكي لا ترتفع فتتيح لفضوليّ معيّن بأن يستطلع، فالمرأة عارية، والمحبرة هنا إلى جانب جلسة القدح، كل شيء هادئ باستثناء المروحة السقفية، وهناك: أحدهم طرق الباب، طرق هدوءنا فصرنا أكثر ترقباً وحذراً في الحركة.. وتأجل الهمس. في الداخل بعض الآمال، بعدما تحدثنا عن تجربة الانقطاع في الأيام الماضية، حيث كان اللقاء نادراً بسبب بعض الترتيبات السرية والحيطة. أسمع دحرجة قِدر في الريح. أسمع الصفير. أسمع تنفسها. أسمعني أتحدث عن اللحظة من مكان بعيد حيث تصبح فعالية التفكير أقل بكثير مما لو تمنيت أن أكون وحدي، وجهاً لوجه أمام الورقة البيضاء الرهيبة. لو عدت قليلاً: تضيع التجربة في لحظة حضورها...الأمنية هي الأفضل من ذلك كله..

  تحركتُ قليلاً لأريح رقبتي لأنني بلا وسادة، وهي تتوسد ذراعي، لأنني قليل الصبر.. فأية لحظة تمر بلا حركة هي لحظة ميتة. آمل أن أملأ الفضاء المحيط بالتنفس، والرواح والمجيء، والقفز. صوت القدم الحافي على الأرض كصوت سَحب شريط لاصق. أُحوّل المحبرة، وأَعِـد بأنني لن أخون لأنني ناقشتها حول مسألة الثقة باعتبارها خيانة.. لأننا نتكلم كثيراً عن الثقة فلا بد أن نفكر بالخيانة، مثلما اكتشفت مرة: أن الحزن الأسود كاذب، والحزن الأبيض صريح. الأسود وهو الليل الذي يدثر أشياءه بلا صراحة. الأبيض وضوح جارح. الأبيض قميصها مرة في النهار اكتشفنا أن الصمت خيانة.. ليس لأنه كذلك بل لأنه قاسٍ كلحظة الوداع التي تعيدني إلى التفكير بالدرهم..

ــ X ــ

  أنظر إلى المرآة: أنت خائن. تلف المنشفة حول رقبتك لتبدو مثل أباطرة الرومان. وجهك وحيد ومعزول. وهكذا فان الصديق الذي رآك تشرب الشاي بسرعة، قال: لا بد أن فيك جليداً تريد إذابته. وجهك يبشر بفشل الامتحان، وعيناك المظلمتان تحت بعض التجاعيد المبكرة في الجبهة، فم مائل قليلاً..

  تنحني في الصورة.. الوحدة. الوحدة. أنت وحيد. أنت وحيد. سكون في الغرفة.. تختنق. منذ متى لم تنظر هكذا إلى نفسك..؟.

فتحت الباب.. أنت..

  فتحت الباب. أنا. الباب إلى الفضاء حيث بعض الغيوم الثلجية تبشر بالشتاء أمام استدارة القمر الكاملة، سحاب يمشي، والمقبرة أمامه وجهاً لوجه.. بوادر الشتاء. أول البرد يحرك أجراس الحديقة التي تذكرني بمعسكرات ذقتُ فيها الشاي بلا سُكَّر. ثمة بعض الخرق المدلاة.. وهناك، حين تصاعد عواء الكلاب في جهة ما، تذكرت الغرفة، غير أن العينين. عيناه، هو، كائن دقيق الفم بين خرقتين معلقتين على الأسلاك. الباب ورائي خطوة واحدة، أدخل وأوصده بسرعة، غير أن التحديق الدقيق سمّرني، يرفع رقبته بوداعة قاطعة. ذئب؟ ربما..

  تلمست المنشفة. لو أنه فكر بالهجوم لألقمته الخرقة، ولكنه جاء من الأدغال. اتذكر أنني جئت من مكان بعيد بحكم وظيفة ولم يكن يشاطرني السكن سوى سرير ضائع في مساحة الغرفة الكبيرة، ومنضدة كتبتُ عليها: " لا تتكئ " لأُذكر نفسي بأنها مسندة على الحائط، فأعود إلى نهاية الغرفة لأراه يعود في المرآة، بعيداً، بعيداً جداً. تلمع عيناه كزجاجتين تحت ظل المروحة، حيث لا يمكن رؤية بعض أواني الطبخ لأن المرآة مرتفعة. انه ينظر إليّ ويحرك رقبته، بينما تمشي الغيوم على وبره الملصق بصمغ الأدغال.. سيعود مرة أخرى إلى البريّة، لأننا.. الآن، أنا وهو، وجهاً لوجه، نؤكد لبعضنا صداقة تعتمد على شدة الرغبة بافتراس بعضنا..

ــ XI ــ

  قطف ثلاث زهرات من الحديقة، وهي الزهرات الوحيدة، وقد نبتت بعناد في الأرض الجصيّة، بحماية من مسدس بناية المدرسة، ثم تنفتح الأرض لتذكر بكارثة جفاف قديمة، وتلم طياتها كصدر عجوز مسافرة، تحت مدخنة البعوض، كهالة حول رأسها. ملاحظة: لو امتلك كل واحد منا ذيلاً لاستطعنا طرد البعوض الذي نسميه أحياناً: الكلاب الخفيفة لاستطاع هذا الأعرج بالذات؛ الذي يردد دائماً بأنه لا ينام حتى يجيئه النوم. كاختراع لغوي. لو أن له ذيلاً..!؟.. كيف؟ انه ملويّ بالضبط؛ مؤخرته تحولت إلى الجانب الأيمن، سيكون الذيل في الخاصرة. واحد من (السَـقَـطَـة) وهم كثيرون بسبب تلك الحكاية القديمة.

  اقلب الصفحة في (....) ...

ــ XII ــ

  كانت القرية قد تجاوزت تمارين الكراهية إلى فعل الحقد، قبل أن تفك تلاصقها وتنتشر فوق التلال حيث يمكن أن تشرف على أرض الدغل الرهيب المهتز، ليس بفعل الريح بل بسبب تلك الحيوانات البرية الشرسة. أحدها حيوان غريب ليس له اسم بالضبط، ليس له شكل لسهولة التصنيف ولا حتى طبيعة محددة يمكن أن تعود به إلى تلك الأخلاق التي ندرسها لدى الذئاب، فهو لا يُرى عادة إلا مارقاً من عتمة إلى أخرى، ولا يُستهان بسرعته قياساً إلى سرعة بعض النسور. بينما أركنت النسوة أواني الطبخ والمعاجن والمقشات خلف الأبواب، وابتدأت تكملة الحكاية اليومية عن مذكرات رجل قوي ذهب إلى المدينة مسافة يومين مشياً، فوجد بعض الأجساد اللامعة تصفق حول جسد لامع وتحثه على رفع ثقل بالتشجيع، فرفع الرجل الثقل بذراع واحدة، وانطلق الصراخ.

  انطلق في طرف القرية، وكان الرجل القوي يصطاد الغزلان ركضاً حتى يُتعبها ويمسك بها إمساكاً... وانطلق الصراخ، هجم الحيوان الغريب وتوقفت الحكاية.

  صرخ الحيوان ببعضهم، ونثر لحم بعضهم فصاروا يصرخون بشراسة وقد أصابهم الداء المسعور، فتركوا عشرات المشلولين والمعاقين، وشُرم الشفاه والمجانين ومشوّهي الخلقة في ذريتهم لعشرات السنين، منهم الأعرج الذي قطف الزهرات الثلاث.

ــ XIII ــ

  توفي عمه ليلة البارحة، كانت ميتته هادئة، مثلما كانت حياته بلا مغامرات ولا زلازل كبيرة، ولا ذكريات، ولا إرث يمكن أن يتحدث عنه قبل لحظة طيران الروح، وقد أسبل جفنيه كأنه نائم. حفروا له قبراً في طرف المقبرة الصغيرة، بينما كان الولد قد عاد من المرعى فشهد تنفس عمه وقد عادت إليه الروح، فقيل أنه كان غائباً عن الوعي فحسب، طوته نوبة قلبية في العدم وأعادته. حينها انطلق الولد نحو القبر فتبرز فيه احتفالاً بعودة روح العم. وكانت ميتة الولد هادئة بعد ساعة فقط، مثلما كانت حياته بلا مغامرات، وربما كانت حادثة التبرز في القبر من أكبر مغامراته، وقد أسبل جفنيه كأنه نائم، فغسلوا جسده وكفنوه، ودفنوه في قبر العم بعد أن رفعوا برازه بالمجرفة.

ــ XIV ــ

  كانت تجربة التوازن على حبل مشدود، بعدما ذهبَت التي يملأ حنانها المكان، وتلك الكلمات التي تعلمتها بسبب كثرة معاشرتها للرجال. تركت المكان خالياً، والمرآة كنافذة تطل علينا عندما نطل فيها. لا تقاس الخسارة بأي شيء آخر سواها. لم تعد موجودة. لم يعد جسدها موجوداً. ظلها. طبعة فمها المزوّق على قميصه الأبيض، فقد حاولت أن تقبل كتفه، ولقبلتها أثراً لا يُنسى، تلك الحركة القذرة عندما تلم شفتيها للتعبير عن الشهوة، وهو خلف السياج يجمع أصابعه العشرة محاولاً التقاط آخر نظرة منها، نظرة مليئة بالخسارة وقفز ثلاث مرات في الهواء.  

ــ XV ــ

 مضت مدة لا بأس بها، كنتُ قد أضربت عن الكتابة والقراءة احتجاجاً ضد شيء خاص أعزه، وقد انطلقتُ من فكرة عن لغو المثقفين الذين يتكلمون دائماً عما قرأوه، يستعرضون بلغو فارغ، دون أن يأتوا ولو بفكرة واحدة منهم أصلاً. ولكن (ليرمنتوف) في (بطل من هذا الزمان) أعاد إليّ التأملات وجعلني أشعر بمسؤولية ما. وكنت قد تعهدت بالقيام ببعض الأعمال الجسدية رداً على عمل جسدي ارتكبته فأشعرني بالذنب، وقمت أقهر الجسد، مقابل أجر آخر.

  لقد تذوقتُ مرة أخرى ذلك الطعم النتن للخواء اليومي، والتشابه، والبحث مرة أخرى عن تجربة لذة، والتخلص من عار الأسف، لأنني أصبحت دائم الشك بأن الحياة والآخرين يستحقون الاحترام، وأنني، أنا، وحدي المقدس حتى بعد أن خُلعتُ من منصب عاطفي.

  بكاء على المشهد. المطر خلف الباب. والهواء البارد يمر.. فهل لديّ ما أقول؟. نعم إنني بحاجة ماسة إلى الاستغراق، ولكنني.. ألاحظ بأنني أسحب نفسي بتمهل إلى متطلبات يومية خوفاً من أن أكتب، أتورط، لأن ذلك.. لابد أن يسلخني من الحياة التي لم تعد تطاق لو لا أنني أحب أن أشهد.

  مرة أخرى سأسقط في فخ الحاجة إلى محاسبة نفسي، وعندها أعرف أنني لن أرحم.. لذلك، هناك بعض التغيرات. اشتريت دراجة نارية، وقلت أنها ستحقق لي رغبة الهروب. ولكن الأمر كان مجرد لقطة بلهاء؛ أن يراني الناس متمسكاً بقرنيّ الدراجة، وأعلم أنني لا أستطيع الاستغراق بفكرة ما على ظهرها، وإلا فسأهلك، لأن الحالة تتطلب الدقة في الانتباه والسيطرة العالية.. ثم أنني ربحت طريقة معينة في النظر إلى الطيور عبر زجاج النظارات.. وخسرت صداقة الكلاب. إنني أؤجل دائماً لحظة التفكير بنفسي.. لأنني أعرف كرم القسوة وأعرف الهوّة التي عليّ أن أقفزها لكي أعود مرة أخرى إلى الورق.

  كم من مرة نفرتُ من الكتابة، ثم أجمع أطرافي استعداداً لوثبة النمر. لم أعد خائفاً من الكسل والتأجيل كما كنت، لأنني لم أعد أثق بالنسيان الذي يخلصني أحياناً من وجع الفكرة.. فطالما أن القلق موجود فأنا إذاً بخير.

ــ XVI ــ

  .. ليس لدي ما أقوله عن هذه اللحظة..

ــ XVII ــ

  انـتـحـار..

منذ زمن بعيد، قُـدّر لي أن أذوق طعم المناطق المتشابهة كطعم الأطعمة المتنوعة التي تعود إلى صنف الدهون، وأحتل مكاناً لأدعي أمام نفسي أنني أستمتع بمنظر طبيعي أو بطيران مفاجئ لديك الحجل، غير أنني في الحقيقة لم أَخرج من جسدي منذ أن بدأتُ باختراع التبريرات، منها اتهام الناس بعدم الوفاء لكي أُحكم إغلاق الباب وأقعد، هنا، دائماً، أمام منظر ميت من الوجود يقابلني: كيان من اللهب الذي يأخذ شكل اليأس أحياناً.. وبعض الأمل في أن أعود. أعود.. كلمة تستحق التقدير لأنها أَجَّـلَت انتحاري يومياً.

ــ XVIII ــ

   مجدداً، أحلم بأن أعود إلى نفسي ببعض الشك الذي يوفر بعض التركيز. ذلك أنني قد خنقت أحلامي تحت خدعة التأجيل، وأجدني، الآن، في العودة إلى الكتابة أشعر ببعض الخجل من أن لا أكون قاسياً وعميقاً بما يكفي.. بسبب أن رأسي لم يعد يزدحم بعبق الجمال كما كان.

  لقد توجهت في أيام قليلة ماضية بانفتاح كلي نحو اليومي والعملي، بنوع من الإذلال لهذا الجسد النهم الذي لا يكف عن المطالبة بالتافه والعادي من الأمور، والذي لا يكاد يشبع أبداً. أخيراً قلت اني أدخل جسد أحد التجار، بلا كبرياء فني معروف، وأنظر إلى نفسي بشكل محايد وغبي، فكيف أعتقد بسموّي بعدما اكتشفت بأنني ممتلئ بالغائط على الدوام.. وأنني قد بدأت أتعفن وأشيخ. لم أكن ــ في يوم ما ــ أتصور بأنني سأصل إلى حال كهذه؛ أن أعيش قانعاً بلا مكتشفات يومية، وبلا ومضة جمال، وبلا أية محاولة للتحليل..

  انتبهتُ أخيراً: أنا خرقة مرمية في مخزن كبير.. وكل شيء هناك مغمس بتراب خانق. انني بحاجة إلى وخزة مؤلمة تجبرني على فعل التجاوز مرة أخرى. أن أكمل ما انقطع.. وبلا توقف.

ــ XIX ــ

    ( وقد تذكرت الآن ما قالته لي تلك المرأة:ـ أحبك.

فقلت لها:ـ لا وقت عندي لغير الكتابة.. كتابتي كما تعلمين ليست مطلباً ذاتياً خاصاً، فالذي يدفعني بالأساس إلى الكتابة هي الغيرة.. نعم الغيرة.

ـ أتغار عليّ؟.

ـ أغار على وطني الذي كلما قارنت أدبه بآداب الشعوب اكتأبت ودفعني ذلك للقراءة والكتابة، وستبقى تلك الغيرة ولن تنتهي حتى أحقق ما يحققه كاتب عظيم لوطنه.. أو أهلك دون هذا الأمر.)

 مقطع من قصاصة يوميات مكتوبة بتاريخ 8/6/1983م.

 

التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي سعدون

العنوان البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain
.

الهواتف
(34)  696 62 96 12
(34)  630 28 63 33

البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com

 

 

التالي | أرشيف المجلة | السابق