مجلة ألواح

 
   

فصل من رواية

قـوة الـضـحـك فـي أُورا

حسن مطلك

 

                                                      " أُورا: رائحة خبيثة تخرج عن كائنات معبودة،
وقد صور الإله آشور وهو ينفذ سهماً في أورا ".

بلاد آشور: أندريه بارو

ـ 1 ـ

        " سترى اليوم شيئاً عجباً،، سترى رجلاً ذا عين زرقاء!".

  عليّ أن أعترف أن تلك الجملة قد قلبت حياتي إلى دهشة دائمة، لحظة إطلاقها، وتغير كل فهم لديّ، ذلك أنني لم أكن أتخيل في يوم ما أن العيون يمكن أن تتلون بلون آخر غير الأسود. وانحنى أبي عليّ بشكل مبالغ فيه وهو يضحك ضحكة الواثق بمعرفته بأمور أجهلها.. وأدرت بصري في حوش الدار الذي امتلأ فجأة برجال القرية الذين تجمعوا كاللقالق بمجموعات صغيرة يتحدثون بهمس وبإشارات مبالغ فيها، فقلت ان أحدهم سيعلن عن اكتشاف وفاة غامضة: رجل وامرأة. ومددت يدي لألمس ثوب أبي، لأرى إذا كان قد مات فسبحت كفي في الهواء مرتين، فالتفت بسرعة إلى حيث كان يقف، فشاهدته يبتعد متنقلاً من مجموعة إلى أخرى يحيهم بابتسامة نظيفة.. وتابعته في تنقله حريصاً على تفحص أقنعة الوجوه وشكل الابتسامات، وحركات الأيدي والرؤوس..

  سمعت صراخاً وضجيجاً في الحشد واستطعت أن أتبين أنه صوت عمي أدهم الحداد. كان عمري آنذاك تسع سنوات، وكان كل شيء بالنسبة إليّ أكبر من حجمه الحالي بكثير، ولذلك أيضاً فقد كانت الهمسات تشبه الطعنات.. كأنهم يتحدثون عني، كأن مؤامرة تدبر ضدي، كنت أعتقد أن كل شيء يخصني.

  وتحرك الرجال وهم مستمرون بالحديث غير أن كلامهم أخذ يرتفع، واستطعت أن أميز بعض الكلمات، مثل كلمة: لعنة الله، سيخرجوننا من سترنا...إلخ. وضاق باب الحوش الخلفي المؤدي إلى الزريبة حيث يوجد ثور أبي العزيز الذي يرعاه أكثر منا جميعاً. اكتظوا عند الباب وتدافعوا. وجاء عمي واقتادني، مارين بطريق القرية الرئيسي، والنساء على الأبواب، ينظرن ويشرن إلى بعض الرجال. بعضهن يحصر قهقهات مكبوتة. وسمعت كلمات مخجلة وجهت من بعض الشباب إلى بعض النساء.

  كفي في قبضة عمي الحدّاد، الذي لم يكن أحد من أهل أورا قادراً على مجابهته سوى امرأة واحدة وأخيه آدم، فلا يَسمع كلام أحد غير آدم، أما المرأة فقد جاءت إليه في يوم سالف لشحذ فأسها، وانتظرت عند الباب. كان الولَدان ينظران إلى مقاسها، فوجداها أطول من القياسات التي وضعاها... انتظرت كثيراً لأن الحداد كان مشغولاً بمعالجة قفل.. فنفد صبرها.. ودخلت عليه صارخة به: أسرع أيها العجوز. فلم يلتفت إليها وظل يعالج القفل، وكان من عادته أن يتحاشى النساء لإدراكه بأنه لو صفع واحدة منهن صفعة واحدة فسوف يقتلها... واصلت المرأة صراخها، فزاد هو من الضغط على المنفاخ وتأججت النار أكثر، إلا أنه لم يعد يتحملها بعدما قالت: ماذا تظن نفسك أيها الخنزير؟. فتوجه إليها ورفعها من خصرها.. ثم رماها على الأرض. لكنها كانت ليّنة بين يديه القويتين.. فكَسرت قلبه، ورفعها ثانية برقة أقل ثم أغلق الباب عليها. سمع أبناؤه دفاعها وصراخها، لكنها همدت فجأة.. وقد كان جسدها يلمع أمام ضوء الجمر.. ومنذ ذلك اليوم وهي أقوى منه.

  انفتحت أورا أمامي. قبضة عمي قوية وخشنة، فكان يرفعني من ذراعي بنقلة واحدة لكي أجتاز الحفر والصخور. صمت بين حين وآخر، يكف الرجال عن الكلام فلا أسمع سوى صوت أقدامهم وأحذيتهم تحتك بالأرض، وأسمع دحرجة الأحجار.. ورائحة أجسادهم، وصوت أذرعهم تحتك بثيابهم.. وسعال مخنوق، ثم ترتفع الضجة مجدداً، يعلو صوت رجل، وتأتي عبارة:" صاحب العين الزرقاء" لتجعلني أتملص من كف عمي، بصعوبة، الذي لا يفك يدي دون أن يكون منشغلاً بحديث معين، وكانت طريقته بالكلام تشبه المشادّة دائماً.

   المهم أنني استطعت أن أخرج عن الصف الطويل للرجال وأمشي على حافة الطريق صعوداً نحو الآثار، إذ تسلقنا التل، فالتفتُ إلى أورا وأراها تتصاغر وتتقافز مع خطواتي منطوية ونازلة شيئاً فشيئاً ومنزلقة مع انحدار التل، وأمامي يبرز المعبد الآشوري حيث بقعتي المفضلة لمراقبة النهر الملتف حول أشجار الصفصاف. مكان أتيح لي أن أذهب إليه منذ أن عدنا إلى أورا من البريّة، كلما سمح لي أبي وأعفاني من رعي الأبقار.

  كانت الريح تجري بلا توقف عبر ممرات ضوء الغروب، تمر بردائي الواسع مشبعة بالظواهر الجوية ومتجهة إلى أورا بدون استئذان، فليس ثمة صوت يدل على الحياة في صمت الرجال، سوى: أودعناكم، أودعناكم. والغيم يلامس الحجر، فتظهر في شعاف الدغل أعراف ديكة وطيور ترابية، وثعالب تقطع الطريق بسرعة وذعر مارقة أمام الرجال، ويضج الدغل في المنخفض بأصوات ليس لها حدود، ورفيف حزين لأجنحة النسور التي أضاعت بعض ريشها في حفلة مصارعة وقد التجأت بعد عشرات السنين من النشاط لتموت هنا: بقايا مخلب حفر صخرة.

  يستمر الصعود بينما أحرص أن أسبق الرجال وأبي في مقدمتهم لأرتقي مرتفعاً ذا حافة حادة. أرتكز على الطرف، والزمان يعتم فوق أورا حيث يغرق فضاؤها الملامس لسطح الدور بدخان تنانير الخبز، دخان يصطبغ بلون الشمس الغاربة. وابتعدت مسافة تكفي لرؤية حشد الرجال بعين واحدة، عندها اكتشفت فقط أنهم في حالة تشبه الغضب أصلاً مع أنهم كانوا صامتين، وهي إحدى طرق أهالي أورا في التعبير عن الغضب بواسطة الصمت. هنا وقفت لأول مرة بعدما عدنا إلى أورا في ليلة مقمرة، أراقب المنحدر المفاجئ، حلكة سوداء تنتهي بمنخفض يضم الاهتزاز الرتيب للدغل تحت ضوء القمر، وربما كانت لي وقفة أخرى أسبق في أوقات تعرضت فيها المنطقة إلى قحط شجع آب على الاتساع ليأكل بقية شهور السنة.

  لم تكن لي علاقة بما حدث آنذاك لأنني كنت مشغولاً بوضع بُعد آخر لا تقيسه المسطرة لهذا الوجود، وجودي أنا الذي يطمح بنوع من الشوق أن يتحول إلى حادث، وقد سيطر عليّ شعور غريب يتعلق بصورة وجهي المرقع بالكلف الذي أحمله بشجاعة تثير استغراباً لدى الآخرين أكثر مما لو نظرت في المرآة، ولكن استغرابي كان يتجه نحو مراقبة حريق داخلي يتواءم مع بعض الإحساس بالتعب والقوة معاً؛ من أنني عشتُ حيوات عديدة قبل أن أوجد هنا، مع الحشد الصاعد نحو مركز الخرائب الأثرية. وكان ذلك الإحساس يشتد كلما أتيح لي أن أزور مكاني المفضل على سطح المعبد وأجيل بصري على الركام قبل أن يسحبه التفاف النهر. ذلك الجزء الوحيد الحي في أورا. ولم يكن قد خطر ببالي آنذاك ـ إذا ما حصرت الفكرة في شكل وجهي المرقع الذي أحمله أينما ذهبت ـ انني سأخسر اللذة الاجتماعية للزواج فقد اقترن شكل وجهي بتاريخ المنطقة وآثارها المعراة تحت هجوم العوامل المناخية عبر العصور.. لكنني استعضت عن ذلك بكسب رحمة وسلام بعض الأماكن: النوم الهادئ بين صخرتين قرب النهر، حيث استيقظ على صراخ بعض النسور:زو زو زو.. عبر الهواء والنهر، وعبر أورا نحو البرية. رأيت الرجال من مكاني المرتفع يلتفون حول الزاوية الباقية من هيكل المعبد كسرب من النمل الأبيض، وقلت: ان الآثار ستأكلهم، وإذا ما اختفى آخر رجل خلف الزاوية لأواجه تلك التي يتحدثون عنها: العين الزرقاء..

  وقد حرصت، منذ أن عدنا إلى أورا من البرية، أن أتآلف مع المكان رغم أنه مسكون بعظام آلاف الجنود تلك التي يستخرجها سيل المطر، والجماجم المتدحرجة مع التل.. فهبطت بسرعة مغمض العينين أحياناً حتى وجدت أني قد لحقت بآخر رجل عند الزاوية.

  توقف أبي عند المكان الذي يقول عنه عندما يفخر وهو مضطجع:" جلست فوق دكة العرش". ولا أدري ما علاقة التلذذ بالسيجارة ودعوة ديامة أن تفرك قدميه وهو يتحدث بطريقة تشبه صوت الرمح المنغرس في الأرض ببطء أو أية طريقة تزوج معها فكرة التعامد على الأرض: الكبرياء. أيعتقد أنه شلمنصر الآشوري؟. يرفع ركبته اليمنى وهو مضطجع ويرمي ذراعه اليمنى الممسكة بسيجارة بنوع من الإهمال أو الاسترخاء وينفخ الدخان على وجهي فيفصلنا الضباب وتضيع تجاعيده ويصير وجهه بلا حافات محددة.

  الرجال يتحلقون حول دكة العرش فأجد لي طريقاً بين سيقانهم ثم أصطدم بحافة الدكة، أرفع بصري: أرى عينين زرقاوين جاحظتين تحت ظلال القبعة:" أنا أوليفر الإنكليزي، قاهر الخرائب". على رأسه صوف النعاج، فأشك أنه يستطيع أن يبصر عبر العينين الزرقاوين الجاحظتين، يرانا بلون أزرق.. أنا والرجال، نختلط بلون السماء، ويصرخ:" من الذي تغوط هنا؟.. هنا فوق دكة العرش.. أخبروني؟". بلغة عربية ركيكة. يدور حول نحافته ويعدل قبعته المنسجمة تماماً مع شعره الصوفي وعينيه الزرقاوين، وصوته المزدوج، كشيء عديم الأهمية. فكنت أبتسم كلما ازداد صراخه وهو يشير بإصبعه إلى الغائط المكوّم بطريقة لولبية فوق منتصف دكة العرش:" هذا تجاوز.. استهتار.. خراب". والرجال صامتين، بينما يحاول أبي أن يمد يديه ليشرح له فيضربه على كفه ويقاطعه.. ولكن أبي يضغط بقوة على كلماته ليعتذر دون أن يسيء الأدب أمام مديره، فتنفجر كلماته انفجاراً:" إهدأ يا مستر.. لا أعتقد أن أحداً من أورا يفعل هذا.."." مستر آدم.."." بل أرجوك أن تسمعني يا مستر أوليفر، فربما فعل ذلك رجل غريب.." ويقاطعه:" مستر آدم تحدث عن نفسك..". ويرتفع صوت عمي وهو يزيح الرجال بقوة عضلاته التي رباها بطَرق الحديد، وعندما يثور عمي لا يستطيع أحد إيقافه سوى أبي، فقد صنع لنفسه ممراً بين الأجساد بحركة واحدة من ذراعيه، وقد اجتنبه الجميع، وهو يزمجر في وجه أوليفر:" أتعتقد أنك ستضحك علينا في هذا الغروب.. جمعت لحى القرية لتتهمها بالتغوط هنا". ورفع كفه القوية ليسحق الإنكليزي، غير أن ذراع أبي استقبلتها، بينما قفز أوليفر على حائط منخفض من اللبن، ولم يعد يتكلم، وارتفع احتجاج الرجال، فوعدهم أبي بأنه سيسوي الأمر، فأداروا وجوههم منحدرين نحو أورا، يهدئون عمي أدهم ويربتون على كتفيه، ويقبلونه..

  يجب أن أعترف بأن المشادة لم تكن مثيرة بالنسبة لي بقدر ما كنت مندهشاً بشكل أوليفر الشبيه بجذور الجزر، وبالأخص بعينيه الزرقاوين الصافيتين، بل بقبعته ذات الحافات اللينة، وظللت أنظر إليه هكذا، وأنا قريب من حافة العرش، أتلقى دفعات الرجال، وكانت عيناه الزرقاوان تسقطان عليّ أحياناً، فيتوقف عن الصياح لينظر إليّ، ولم أكن أشعر بالخوف.. بالعكس لقد كنت أبتسم، فيعود إلى الصراخ ويهز رأسه أكثر مما يهز يديه، ثم يعود للنظر إليّ كأنه يأخذ رأيي فيما يقول. عندما اختفى آخر رجل خلف الزاوية الباقية للمعبد حيث ينعطف الطريق فجأة لينزل بين التلال، بقيت أنقل بصري بين قبعة أوليفر وعينيه الزرقاوين، فابتسم لي، وقال لأبي:" ابنك..؟ What is his name..؟" فأجاب أبي على الفور: ديّام. لفظ اسمي بنفاذ صبر ثم انفجر بوجه أوليفر: ولكن الذي فعلته إهانة للرجال.. أقصد.. is offensive.. فرد أوليفر: إنسَ آدم، إنسَ.. فصاح أبي: ولكن كيف بالله.. سأواجههم؟.

  ولا أدري كيف أن أوليفر قد عاد إلى هدوئه بهذه السرعة. مد يده إلى حقيبته اليدوية وأخرج علبة معدنية، فتحها فخرجت منها رغوة ذهبية وأخذ يلحس الرغوة. نكّس العلبة إلى فمه وشربها دفعة واحدة ثم رماها في أخدود، فسمعت رنين تدحرجها. التمعت العينان الزرقاوان، وراح يضحك بقوة. شعرت بأنه يضحك ضدي، فانتبه إلى حد ما بأنني قد خجلت من ضحكته. انتزع قبعته ووضعها على رأسي. لم يكن أطول مني. ساعدني لبّاد حافاتها الواسعة اللينة أن أتجاوز بعض الخجل وأنا أراقبه يرقص على الصخور وهو يغني بصوت لم أسمع أقبح منه. كانت الصورة أكثر غموضاً بعينين زرقاوين ومرح؟.. كيف هذا؟.

 

التحرير
محسن الرملي
عبد الهادي سعدون

العنوان البريدي
ALWAH
Apdo. 50631
28080 Madrid
Spain
.

الهواتف
(34)  696 62 96 12
(34)  630 28 63 33

البريد الألكتروني
daralwah@hotmail.com

 

 

التالي | أرشيف المجلة | السابق