قراءات
اكـتـشـاف زقـورة
د.عدنان الظاهر
(رواية للدكتور فاتح
عبدالسلام/ط1/المؤسسة العربية للدراسات والنشر/بيروت
2000م.)
لا أمدح الرجل، لكن من يجرؤ على الدنو من
عالمه؟؟. لقد أغنتني الملاحظات القيمة على غلاف الرواية (اكتشاف
زقورة) وفتحت أمامي الطريق لاحباً مضاءً كيما أحاول أن
أقول بعض ما تستحق هذه الرواية: (يتعشق السردي بالشعري)..
أجل، وتساءلت: لمَ لم يتخذ فاتح عبد السلام من " ماركيز
ص85" مثلاً فيكتب على غلاف روايته (قصيدة نثر).. هي بالفعل
قصيدة نثر وشعر منثور وخروج على منطق (قوانين السرد)
المعروفة.. أهي الحرب إذاً، لا منطق للحرب ولا عقل. فكيف إذا
ما أضيف الجوع والحصار إلى الحروب خلالها وبعدها. لم أقرأ
شيئاً للدكتور فاتح من قبل، ففوجئت به صوتاً فرداً متميزاً
عميق الثقافة، كثير المعرفة بتاريخ بلده العراق،
قديمه:(سومر، بابل، أكد، آشور، نينوى) ثم حديثه؛ حيث قضى نصف
عمره في السياسة "ماذا كنت تعمل قبل الحرب؟ اشتغلت نصف عمري
في السياسة...ص44". فلا عجب إذاً أن جاءت الرواية شديدة
التركيز، منوعة الأصوات، مختلفة الألوان تطفح بالسار
وبالمبكي من أحداث العراق على مر العصور، منذ (نانا) و
(أنليل) أور وأوروك وسرجون الأكدي وآشور بانيبال حتى خيول
(نادر شاه) وحروب صدام.. من (زناجيل) كربلاء و(العرقجينات
والغتر والعُقل...ص19) و(الكليجة والسكنجبيل...ص18) حتى
المرأة اليزيدية التي عشقت مسلماً (ص30) وخادمة الفندق
الآثوري التي راودها الأديب الموصلي عن نفسها في أحد فنادق
بغداد (مجموعة قصص "حليب الثيران "ص73 ـ 79).. أية
موسوعة أدبية/تاريخية/سياسية/اجتماعية في رأس هذا الشاب
الخارج على تقاليد الموصل الحدباء المحافظة؟.. لقد مس
المحرمات وتجاوز خطوطها الحمر.. أهي الحرب قد قلبت الموازين
فاختلطت المقاييس لنظفر بفلتة أدبية وقطعة نادرة على رأس
فضائلها جرأة وإقدام مقاتل ودهاء عريف استخبارات (ص38 وص40).
هي الحرب إذاً التي حركت تولستوي فأبدع (الحرب والسلام)
وهمنغواي فكتب( لمن تدق الأجراس) وكتب (ستشرق
الشمس ثانية).
إذا ما غضضنا الطرف عن بعض صفحات الرواية
(أقصد الصفحات:68/69/70 تحديداً ومعظم الصفحة 71) التي تفتقر
إلى ذلك النفس الرائع والمونولوج الرفيع والحوار الساحر الذي
نلمسه في باقي صفحات الرواية... فإن ما كتبه فاتح عبدالسلام
لهو عالم ساحر غريب يأخذ بمجامع القلوب، عالم زاخر بالحكمة
وبالسخرية الفاجعة، خاصة ما يتعلق منها بعالم الجيوش وعالم
ضباطه، فلنسمع ما يقول في حوار مع ضابط برتبة عقيد ساعة
استجواب جندي عراقي استطاع الفرار من الأسر(الصفحات 63 ـ
66):".... وحين أصبح الصباح لم يجد أثراً لكهف أو نفس أو
حذاء. وأضاف: كنت أشرب البول حين أعطش وآكل الخراء حين أجوع
كي أبقى حياً"." توقفت عن الكتابة ورفعت عيني إلى العقيد
قائلاً: سيدي أقترح حذف جملة أكل الخراء من حديثه. فرح
العقيد: جيد يا عريف، انتبهت في الوقت المناسب، أحذف هذه
الجملة، واحذف أيضاً الجملة التي قبلها... انبهر العريف: أية
جملة سيدي؟ العقيد: جملة شرب البول. العريف: أرجو أن تسمح
سيدي بأن نبقي هذه الجملة فهي دليل على مدى تحمله العطش
وتغلبه عليه، وهذه ميزة بطولية تحسب له. العقيد: وأكل الخراء
ميزة أيضاً، لماذا نحذفها إذن؟. العريف: هذه ميزة جماعية
سائدة، ليست ميزة بطولية لهذا الإنسان. العقيد: ما تقصد؟.
العريف: كلنا نفعل ذلك ولسنا أبطالاً ".
إن فاتح يصفع وجه نظام كامل ويتحدى
باسم العراق وشعبه نظام السموم والحروب وجيشه بشخص عقيد من
ضباطه.. وما كان سوى فرد مجند (عريف/كاتب قلم).. ألهذا لا
يحب عقداء الجيش وقد خبر بعضهم وسخر منهم أبلغ سخرية؟(ص61).
لا يهمني هل التزم د.فاتح بما كتب من نظريات السرد والحوار
والمونولوج في كتابه القيم (الحوار القصصي: تقنياته
وعلاقاته السردية/ المؤسسة العربية للدراسات
والنشر/بيروت 1999) ذلك لأن النظرية تشتق من النصوص
المكتوبة. فالنص هو الأسبق، أقصد قد يبدع كاتب شكلاً جديداً
غير مسبوق في الكتابة، وعلى النقاد استنباط النظريات. وهذا
ما حصل فعلاً في رواية (اكتشاف زقورة) فلقد جمع
د.فاتح ثلاثة أشكال من السرد معاً (ثلاثة أصوات ص61) 1ـ
حوار تلفوني مع ضابط. 2ـ مونولوج/حوار داخلي/داخلي. 3ـ حوار
مع امرأة. لم يسبق ـ على حد علمي ـ أحداً د.فاتح في
جمع أكثر من صوتين في آن واحد وعلى صفحة واحدة. لقد جسد في
العمود الأول (الصوت الأول) تفاهة العقلية العسكرية لدى ضباط
الجيش وبعدها عن واقع الأمور وقصورها عن تفهم وتقدير ما يجري
على الأرض فعلاً في مكان بعيد عنها:"ــ آلو سيدي، هل تسمعني،
بقي جندي واحد معي، هل ننسحب؟. الضابط: الأوامر لم تصدر بعد.
ــ سيدي العدو احتل مواضع اللواء كلها وأنا مختبيء في حفرة.
الضابط: قاتل أيها الكذاب. ــ آلو سيدي هل تسمعني أنا وحدي
الآن بلا سلاح، أنسحب أم أسلم نفسي أسيراً؟. الضابط: لا أعرف
لا أعرف... قاتل... لا أعرف. ــ سيدي بخاطر الله عندك جد لي
حلاً... الضابط: إخرس لا تقل شيئاً غير عسكري...".
قرأت لأكثر من مرة هذا الحوار التلفوني بين
جندي يواجه عدوه على جبهات القتال وضابط يقبع في سرداب مسلح
محصن خلف الجبهات.. قرأته بين الدموع والذهول والمشهد شاخص
أمامي لكأن الجندي أحد أولادي يستعطف ماكنة من حديد بارد
ترتدي الخاكي وتضع نجوماً على الكتفين:"سيدي..".. تذكرني
بتوجه البشر إلى خالقهم متوسلين ضارعين:" إلهي.." ولا من
يجيب في ساعة الشدة؟. لقد خبر الروائي فاتح
عبدالسلام الحرب وعاش ويلاتها إنساناً مثقفاً وأديباً
وراوياً وليس مجرد عريف استخبارات (ضعيف العضلات،ص38) والذي
يعيش أهوال الحرب ليس كمن يقرأ في الصحف أخبارها. ولقد قال
الشاعر أبو الطيب المتنبي يوماً: ما الذي
عنده تُدار المنايا / كالذي عنده تُدار الشُمول.
كان الإنسان في (فاتح) ولدى (فاتح) دوماً هو
الأقوى خلال سني الحرب، وكان الصرخة الكبرى والأكبر والبيان
الأكثر نصوعاً. فلقد رسم صورة عبقرية لمشهد تنفيذ حكم
الإعدام بحق ثلاثين عسكرياً لأنهم قد انسحبوا من ميدان إحدى
المعارك (ص38):" ربطوهم على ثلاثين عموداً... هل تأكدتم أنهم
شربوا الماء وتوضأوا بوجوه الرماة؟ لا ماء يكفي للوحدات
الفعالة. عندما يبعج الرصاص الأجساد الممدودة على أعمدة
الخشب تنصل الحبال. يتقوس القتلى وتهطل رؤوسهم في أحضانهم،
في قعدة قرفصاء تعيدهم إلى وضع الجنين وهو يمكث في بطن أمه".
هكذا ربط الكاتب/الراوي: الموت إعداماً بالرصاص بأصل الحياة:
بدايتنا أجنة في بطون أمهاتنا.. هل كانت زوجة فاتح حاملاً
أثناء أدائه الخدمة العسكرية؟.. أكاد أقول:نعم. لم ينس في
خضم المعارك زوجه ولم ينس ما تحمل منه في أحشائها رمزاً
وتذكرة وتخليداً للحياة، فأطفالنا هم امتدادنا الطبيعي في
سفرة وجودنا... لعلي لا أكشف سراً إذا ما وضعت اليد على بعض
الرموز التاريخية وبعض الطقوس والإشارات والمجازات التي
وظفها الروائي ببراعة نصف مستورة لإدانة المجرم الأكبر، مخطط
ومنفذ الهزائم والمآسي الذي توهم أنه صار إلهاً.. بل هو
الإله في بلاد ما بين النهرين.. سأستعير البعض منها وأترك
البقية لحسن تتبع قاريء رواية (اكتشاف زقورة): 1ــ...
وانتصارات الأله مردوخ شمالاً وجنوباً.ص20/ 2ــ... أجل رأيته
حقيقة لا يشبه صوره التلفزيونية أبداً... كاد الدم يطفر من
عينيه، وتعجبت في سري: أهذا وحيد السيف وحيد الصبح وحيد
الليل وحيد أور وحيد بابل...ص27/ 3ــ... فر من جحافل الملك
(نرام ــ سن) الذي سقط في حفرة مجادلة الفأل السيء. ص33/
4ــ... تشتهي لحظة العتق من نظرة سياف الزمن.ص37/ 5ــ...
وتمضغ أغنية النساء الحالمات برجل واحد لا يجيء إلا إذا مات
الرجال كلهم. ص42/6ــ... وانليل يرفض كعادته تلبية استغاثات
المدن المقهورة، يمتقع وجهه بطحين حصة تموينية.ص46/7ــ...
تدمع عين انليل المصلحجي... ويقرر تبديل مصائر المدن
المداسة، فيدير الصاعقة الرمادية على بلاد الأعداء. ص46 ــ
47/8ــ... علمك كونفشيوس أن دونياً واداً قادر على اضطهاد
جمهرة حكماء.ص48/9ــ... غازون الخرشودي.ص49/10ــ... حتى يأتي
سيل النار فيبث الصليل... تحت أصوات المؤمنين... لا إله إلا
هو... إلا هو... إلا هو... إلا... إلا... إلا...ص53/11ــ...
الملك في بلاد النيل إله؟ الملك في بلاد الفرات نائب
إله.ص53/12ــ... أسكت يا مفجوع، إذا سمعنا نشف شرايينا على
حبل الغسيل، فربما كان ديكتاتوراً.ص60.
خـاتـمـة واسـتـدراك:
أولاً:
هذه ملاحظات قاريء عادي وليست دراسة ناقد متخصص في الفن
الروائي. وكم أتمنى أن يقرأ العراقيون؛ داخل العراق وخارجه
هذا العمل الفني الرائع والمفعم بأصدق المشاعر والمواقف
الإنسانية والثري بدقائق تاريخ بلاد ما بين النهرين.
فــ(عروق دجلة والفرات تنز دماً منذ ذلك الزمان.ص34) حسب
تعبير الروائي وكان صادق النبوءة والاستنتاج... عمل روائي
كهذا خليق بأن يوحد صفوف العراقيين قاطبة، إذ يكشف عورات
الجميع ويمنحهم الفرصة الذهبية أن يعيدوا النظر في الكثير من
الأمور والمسلمات.. بل وحتى بعض المقدسات. وأن يفكروا كثيراً
قبل أن يتخذوا القرار بدخول المسجد (حزب البعث أو أي حزب
آخر. ص49 ــ 52) فالتحزب في العراق إيمان أعمى لا يقود إلا
إلى الخراب والدمار. وعراق اليوم أكبر شاهد على ذلك؛ عراق
الغزو والحروب الداخلية والخارجية.
ثانياً:
لا أدعي أني أحطت بجميع جوانب الفن الروائي لفاتح عبدالسلام،
فإنه كبحر معقد وعميق.. والكتاب انسكلوبيديا وبانوراما جميلة
الألوان. كما أنني لا أجرؤ على الادعاء بأني كنت مصيباً في
قراءاتي واستنتاجاتي وإدراكي للرموز الواردة في رواية
(اكتشاف زقورة). كما أعترف بأني لم أمنح نفسي الوقت الكافي
لإعادة دراسة الرواية مرات أخر. إذ تقول لي خبرتي في هذا
المضمار؛ أن مع كل قراءة جديدة لاحقة يكتشف المرء أموراً
جديدة وعالماً آخر. وبعيداً عن الدراسة والموقف النقدي
المتأزم أجد في قراءة هذه الرواية متعة وسحراً وقوة تشدني
لسومر وبابل ونينوى وآشور، بل وحتى إلى المتحف البريطاني في
لندن حيث أدمنت زيارة الجناح السومري والبابلي والآشوري فيه
والتقاط المزيد من الصور لآثارها الرائعة.
مــلــحــق:
ما الذي يقلق هدوء نومي في رواية (اكتشاف
زقورة)؟... بعض الأخطاء المطبعية و (سواها).. أشير إليها
كيما يتفادى الناشر وقوعها في الطبعات اللاحقة.
سيكون الترتيب هكذا:
الخطأ ــ الصفحة ــ السطر ــ الصواب:
إنها ــ 5 ــ 1 ــ أنها
(الهمزة فوق الألف)/دماغ تلم ــ 5 ــ 5 ــ دماغ يلم (الدماغ
مذكر)/ أطباء المشرحة ــ 5 ــ 8 ــ أطباء التشريح/ ما لبث ــ
9 ــ 8 ــ ما لبثت/ بحر مظهر ــ 12 ــ 15 ــ بحر ظاهر/يأست
ــ 13 ــ 6 ــ يئست/ سوى جزءً ظلالياً ــ 14 ــ 6 ــ سوى
جزءٍ ظلالي/ غير إنه ــ 15 ــ 1 ــ غير أنه (الهمزة فوق حرف
الألف)/ على وفق شريعته ــ 17 ــ 5 ــ وفق شريعته/ رقاقات
شرائع ــ 19 ــ 2 ــ رقائق شرائع/ ألك أمنيات سرية فتلبها ــ
19 ــ الأخير ــ فتلبيها/ رقيمات المسلات ــ 20 ــ 3 ــ
رقم.. (الأفضل)/الأوفاق ــ 21 ــ 1 ــ (.. ما معناها؟؟؟)/سنا
النيازك ــ 25 ــ 9 ــ سنى النيازك (السنا هو الشرف والمجد)/
الموؤود ــ 27 ــ 6 ــ المؤود (لا تعرف العربية ثلاثة
واوات)/ بريءَ ــ 32 ــ 6 ــ (برؤ... يبرأ)/تشتوي ــ 32 ــ
11 ــ تنضج/ يخزّ ــ 33 ــ 6 ــ يخز (بدون تشديد)/ لماذا لم
ــ 38 ــ 17 ــ لمَ لم ( لا تدخل لماذا على لم)/ يبدو إنك ــ
44 ــ الأخير ــ يبدو أنك (الهمزة فوق الألف)/ قال أنه ــ 45
ــ 12 ــ قال إنه (الهمزة تحت الألف)/ يتقدمهم نساء ــ 46 ــ
9 ــ تتقدمهم نساء/إنسللت اليه ــ 50 ــ 8 ــ تسللت اليه
(إنسللت منه..)/حقل الغلة يأخذ ــ 50 ــ الآخير ــ كي أو
ليأخذ.../ إناس ــ 51 ــ 2 ــ أناس (الهمزة فوق الألف)/إعطيه
ــ 52 ــ 17 ــ إعطه (فعل أمر، والمخاطب رجل...)/والموؤودة
ــ 52 ــ 20 ــ والمؤودة/ يملئون ــ 53 ــ 11 ــ يملأون/
والمكن ــ 53 ــ 19 ــ (ما معنى "مكن؟")/ لماذا لا يظهر ــ
54 ــ 10 ــ لم لا يظهر/ يقولون أن ــ 55 ــ 16 ــ يقولون إن
(الهمزة تحت الألف)/قلاشة ــ 56 ــ 2 ــ (ما معنى قلاشة؟)/
إحدى أسراره ــ 57 ــ 9 ــ أحد أسراره/ من ينبأني ــ 61 ــ
الأخير ــ من ينبئني/ يتقدمهم صلبان ــ 64 ــ 20 ــ تتقدمهم
صلبان/آن وقد تنافس ــ 72 ــ 16 ــ آن وقت تنافس.../ ليس من
المنصف ــ 72 ــ 19 ــ ليس من الانصاف/ تسأليه ــ 73 ــ 11
ــ تسألينه/ لماذا لا ــ 75 ــ 8 ــ لم لا...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
د.عدنان الظاهر:
كاتب وشاعر عراقي يقيم في ألمانيا، من أعماله: إحساسي
يصيب الهدف، سورنكاث، رمل وبحر.