قراءة
في (طائر آخر يتوارى) لعقيل علي
مدن
وخرائب
جنان جاسم حلاوي
عقيل علي
شاعر يعيد نثر الخراب بأسلوب فخم يتقن تهريب المعاني، وهو من
الشعراء العراقيين القلة الذين آثروا المكوث في الظل، بعيداً
عن الأضواء، مثيراً حول شعره وشخصه الكثير من الالتباس
والإشاعات، ولا ريب أن عقيل علي واحد من أندر الشعراء
العراقيين المعاصرين، وأكثرهم دقة في صياغاته لما يتمتع به
من ثقافة لغوية مجبولة بموهبة فذة، صلبها إخفاء ثم تسريب
للمعاني حتى تعطيل الكلام، لتعود معانيه تتكون فتبرز فجأة،
كما تعلو سطح البحر الهادئ بغتة أشلاء سفينة غارقة، دفعتها
دوامات المياه المفاجئة، والجُمل عنده تقوم على الخطاب
وبنبرة عالية، على حوار مسموع مع الآخر أو مع نفسه، على
تقنيّة أن شخصي ( أنا عقيل علي) لا يتميز إلا متضاداً
بالأشكال، أو بمشكلات تشابه المعاناة، الخوف، اليأس، الشك،
الخسارة، الندم، الرحيل والفقد. لذا يكثر فعل الأمر عنده،
كما تتزايد أحرف النداء، حين تنشد جملته تشكيلاً مع المخاطب،
وبضمائر المخاطب غالباً، فينجرف الشاعر إلى توليف المضافات
والمضافات إليها كثيراً، وإذا تحدث عن نفسه، إذا خاطبها
ففاعله حاضر، وفي حضوره سمة الفعل الإنساني الذي لا ماضي له،
ولا مستقبل أمامه، وروح معاناته في الاقامة، في الخراب
الجارف كل شيء، عيش صعب متآكل، صدئ لا يراكم سوى عبث، تعب،
حرائق،أسئلة بلا أجوبة، أناس تخربت نفوسهم، وموجودات امحت أو
شرعت تمّحي. وإن عددنا الشاعر سوداوياً فمن يلومه، ومن يلوم
شخصاً يعيش خراباً فعلياً، إن في الحرب، قبلها، أو بعدها،
وإذا عكست قصائده حشد صور لمدن مهجورة، لأماكن معزولة، لأيام
مترمدة، لأعداء، لهذيان مطلوب، لحشرجات ونواح وعتمة، فذلك
لأن الكلام في ذاته بات جزءاً من الخراب الذي انفصل عن
المعنى، والقصد: أن الإشارة والإيماء والمخاطبة أشكال متعددة
لذلك الانهيار المدوي، أما المعنى فيكمن في الشعر ذاته:
الشعر الذي يهب الحياة، أو (الشعر هو المعنى الفريد للحياة)
وتصوّر شخصاً يهرع هنا وهناك، يشير ويدل، يصرخ أخيراً، لكن
بلا جدوى، سوى صدى يرد عليه رجع صوته، سوى مرآة تعكس وجهاً
وحيداً، خطوات تضيع.. وآمالاً مجهضة.
لا يركب عقيل علي صوراً، ولا ينتج قصيدة
فيجعلها لحمة واحدة، لا يقص حدثاً، ولا يبني جملة واحدة
مكتفية بنفسها، لكنه يراكم جملاً تلوح مبتورة، ومقاطع تبدو
زائدة، ولئن يسرع قارئ ما في قراءة سريعة، ليجد القصيدة
ذاتها زائدة كلها، لما في التجريد من خدعة يتقنها الشاعر،
بينما لا تجريد غير استعارات مواربة، وسوى توريات دفينة،
معقدة، سرعان ما تتكشف لو صبر قارئ غير صبور على نفسه شاحذاً
مخيلته، ومجهداً عقله في آن. ولأن الشاعر يمزج وبمهارة خاصة
ما بين العقلي والتخييلي واللغوي، فالحال يدعو القارئ إلى
قراءة لغوية، تخييلية حتى ما وراء أعمال القصائد الأسلوبية،
متتبعاً معاني الشاعر الملخصة بـ(أناشيد الخراب) وهو
الانطباع الوحيد الذي تعطيه قصائد عقيل علي وفي وحدة واحدة
وسياق طويل يطول مذ يشرع ديوانه (طائر آخر يتوارى)*.
حتى لا يكتفي بآخر. ولعنوان الديوان دلالة على خاصية السياق
العام لأسلوبية شاعر: عانى ويعاني بلا شك غربة وعزلة داخلية،
ذات نهنهات وجودية، وتكوينات درامية، فتتقارب المشهدية عامة
في ديكور مميز: برماد، بموتى،بحرب، بيم يبتلع كل شيء، بقلوب
مدماة، زمان وتوبيخ، فخاخ وعاصفة، وأمام كل هذا يقف الشاعر
وحده يخاطب، ينادي مجهولين ماتوا أو غابوا، أو موجودين بلا
معنى ومزيفين، وإن هذا العالم كان هكذا مدمراً، وصار هكذا
مدمراً، ودونما أسباب، ولا أجوبة لمن يسأل.
"
أيام مضيئة، أيام آتية"..
واحدة من أكثر القصائد توتراً، وإن غلب التوتر على الديوان،
إذ للشاعر مصائب، لكن مصيبته وجوده في الخراب، في البلاد
التي يعيش، ويسمي ويخاطب(ص27ـ28):"
أبدأكِ بأفراح كاذبة وأقتلك/ من المناهضة
تبدأين/ انظري كيف انتهيت إلى أثواب الوحوش/ انظري كيف تنتهي
السلالات وكيف تبدأ/(….)
للرغبات المتأرجحة في الغرف الآسنة/ للتنقل بين الصفوف
تركتكِ والقصيدة معاً، رحت/ وسمّيت هذا كله أمطاراً/(….)/
انظري إلى الخلف ولو مرة واحدة/ لتعرفي أن هذا ما هو إلا
خيالك/ مبدوءاً بمدن محبوكة تنهض من أجل قتيل خرافي".
ما بين أسى وبين إحباط، ما بين حزن وبين غضب،
ما بين فشل وبين أكاذيب، يصف الشاعر بلاده بـ(رقصة
الخديعة)،بـ(مرآة البراري)، بـ(قرع المخابيء
بالدهم)، فيصرخ صراحة:" تظهرين ثانية/ أنتِ التي
مضيتِ آهلة بالثبور وبالتوعد/لقد ملأتكِ وأفرغتكِ
مراراً/لستُ أحبك... لم أتغن بك أي يوم/ صرخة كنتِ فيّ،
مريبة وملموسة"(ص28). ويتمطط الصياح ليصير نواحاً، ليضحى
تعذيباً للذات،فالبلاد أيضاً وجه الشاعر الآخر، بمعنى ثانٍ
ولا فكاك، فابتلى بها، وقدره أن يعيش كراهيتها وحبها، عشقها
وقتلها، تذكرها ونسيانها، على طبطبات حشود صفات متضاربة،
متجانسة ومتجاورة، مُظهرة مدى التمزق الكائن لها عنده حسب،
إنما في البلاد ذاتها، وتلك الظاهرة التي نقرأ عكسها لدى
شعراء المنفى العراقيين، هنا أكثر ملموسية، لأنها المعيوش
اليومي، الحاضر، لها ذكرى الآن، ولها ماض، بل أيام تأتي
دائماً بكل قسوتها لتضمحل حين تمضي وتزول بلا أثر:" فأنت
البلاد التي نعرف/وحدك البلاد التي نعرف/وأنت بعد كل هذا
نجمة يبدأ أفولها/وحدك البلاد التي نعرف، أيتها
البلاد التي نعرف/سوّي من رائحة إبطيك مأدبة. لا تكوني
ملمّات/ماذا أصنع بكِ/وأنت أفق غريب، لا يترك من ماضيه غير
رجل محمّل/ بما لا يريد. يبتعد ويصير قهقهات/ يبتعدُ، وتصير
موعداً أعوامه/ ورغم هذا يفاجأ/ اعرفي هذا كله، وامحي عنك
هذا كله/أنا أبدأ معك، ومنك ما الذي أصنع بك/عارية أنتِ
عارية/ وأنا وراء هذا أنزلق، وأنا مع هذا لا أهمس أنكِ طرقي"(ص31ـ32).
كذلك على هذا المنوال ينسج الشاعر قصائدLنشيد
العزلة)،(غبار
السكون)،(رائحة الذكرى) وغيرها، حيث يمسي الوطن
منفى ولا جدوى وعذاباً، والشاعر يحث نفسه على مسير طويل،
متواصل، عارفاً أنه ضائع ومضيع، منشداً آلامه وكأننا أمام
سيّاب جديد لقصيدة معاصرة. بعمقها المنسول من الإحساس المضني
بالشقاء.. وعقيل علي بقدر ما يشدد على علاقته بنفسه وبالآخر
يعترف أيضاً بقوة ما يحوطه من عوالم، مقراً بذلك، ثم مولياً
داعياً إلى التخريب، الهجوم، الشك، التحطيم. ان الشاعر
ليقاوم بكل قواه فلا يملك سوى حريته وحلمه في صراع أكيد
وأزلي بينه وبين الأعداء: هم بلا شك قَـتَلَة الحلم ومسوخ
الحاضر... على أرض مخربة، في هواء أسود، وتحت رحمة أياد
كأطراف الغيلان، يمتد الألم، يتمدد ويستمر، وحيث الغيوم
رماد، والجنون يتقدم، وعواء ياتي، ليصير الجسد حريقاً،
فتلتاث العواطف بالقساوة، حتى الوهن والتلف والارتباك.
والشاعر لا يساوم على أحلامه وحريته، عارفاً بوحدته وخسارته،
يستشرف رؤيا الخراب، يؤكدها، كما الهلاك واقع، كما الحقيقة
التي لا مرد لها: حقيقة زمن الهزائم، والوطن الخرابة، والرجل
الوحيد، وظلال السلالات الآيلة إلى الانقراض. وكما ختم
الشاعر قصيدته (أبتدئ باقتناص السبب) بمقطع مميز(ص71)
أختم مقالي ذاته:
"
كان قد تنصل من أعدائه تماماً/ كان وحيداً /
آتياً من ظلال لا يعرف كنهها
".
--------------------------------------------------------------
*
طائر آخر يتوارى/
شعر:عقيل علي، منشورات الجمل،كولونيا ـ ألمانيا/78صفحة،
القطع الوسط.
**
هــو:
ولد عقيل علي عام 1949 في الناصرية، وما برح مقيماً
فيها،موزعاً وقته بين الكتابة الشعرية وممارسة الأعمال
اليدوية لكسب العيش. صدرت له مجموعة شعرية بعنوان:(جنائن
آدم) منشورات توبقال ـ الدار البيضاء1990، ولديه دفاتر
شعرية عديدة للطبع، وكذلك مجموعات من الرسوم بالحبر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
جنان جاسم حلاوي:
كاتب عراقي يقيم في السويد، من أعماله:عرائس البحر،
ياكوكتي، تابع الطيران وحدك، في
المعرفة الشعرية... وغيرها.