(شهادة
للحائز على نوبل 2002)
غاو كسينغجيانغ
روح
الحرية في وطني الجديد
ترجمة: محسن الرملي
ولد غاو كسينغجيانغ سنة 1940، حاز على جائزة نوبل للآداب
لعام 2000. وهو أول كاتب صيني يحصل على هذه الجائزة. يحمل
اليوم الجنسية الفرنسية بعد أن عاش لاجئاً في باريس منذ عام
1989 إثر أحداث ساحة تيانانمين في بكين. الروائي والمسرحي
والرسام يتحدث في هذه الشهادة التي نشرتها صحيفة (الليموند)
الفرنسية قبل عامين وأعادت نشرها صحيفة (الباييس) الإسبانية
الآن. يتحدث عن حياته كيف كانت في الصين التي هجرها وعن
الروح الحيوية والإبداعية والحرية التي وجدها في بلده الجديد
فرنسا.

حين كنت في سن الخامسة عشرة
من عمري رأيت حلماً أفزعني وأخرجني من عتمة المراهقة، رأيت
نفسي مضطجعاً مع امرأة من مرمر.. جميلة وباردة، تمثال ساقط
على عشب حديقة مهجورة، ففي الأحلام كنت أتيه في حرية هائلة
بينما كنت في الواقع أعيش تحت الراية الحمراء (للصين
الجديدة). كنت قد انتهيت تواً من قراءة (فينوس) مجموعة
ميريميه القصصية، والتي تم نشرها قبل حلول النظام الشيوعي.
هذه الحرية في جزئها الأكبر كانت فرنسية، دفعتني للحلم،
وبعدها حملتني إلى الهروب من الواقع، وفي النهاية إلى المنفى
السياسي في فرنسا، وهكذا أقمت هنا بشكل نهائي. لا أدري فيما
إذا كان ثمة وجود لما يسمى بالمصير، ولكن من الممكن أن هذا
الحظ الكبير قد أنقذني عبر هذا الميل اللا واعي تجاه الحرية
التي يتوق إليها كل كائن بشري. لقد عشت سعيداً في عائلة
متحررة، عائلة كانت مثيلاتها شيئاً نادراً في صين ذلك العهد.
فأيام النظام القديم كان أبي يعمل في البنك الوطني وأمي التي
تربت مع المبشرين الأمريكان كانت ممثلة في فرقة مسرحية قبل
أن تتزوج. لقد تركني والداي أفعل ما أريد في طفولتي. لقد
قرأت الأدب الغربي كثيراً وكان يعجبني الرسم، وقد كنت طالباً
جيداً في المعهد في مادة الرياضيات والفيزياء. ولكنني لم أكن
أعرف إلى أي اختصاص سأتوجه في دراستي الجامعية. وبالصدفة
عثرت على موجز لمذكرات إيليا إيرينبورغ، تلك التي يتحدث فيها
عن حياته في باريس أوائل العشرينات، حين انضم إلى جماعة من
الشعراء والفنانين السرياليين، كان بعضهم يرسمون على الجدران
طوال النهار وفي الليل يتجمعون في المقهى حيث يتناقشون حول
الفن. وفي يوم ما تركت شاعرة شابة وليدها على الطاولة قائلة
بأنها ذاهبة في مهمة، ولم تعد بعدها أبداً، فسألت صاحبة
المقهى عمن يكون والد هذا الطفل الرضيع، فلم يعرفه أحد،
وهكذا اقترحت على أن يقوم الذين يترددون على المقهى دائماً
بالتعاون على رعايته، فوافق الفنانون. هذه الحادثة أثرت في
بعمق، لقد كان يعجبني أن أعيش هكذا، فقررت أن أتعلم الفرنسية
حين كان عمري سبعة عشر عاماً.
لقد مضت الآن أكثر من ثلاثين عاماً وقد تحول
الحلم إلى حقيقة، وإن لم ألتق أبداً بمقهى من هذا النوع في
باريس، ولكن هذه الحرية الشخصية ما تزال موجودة وأنا سعيد
بها. لا أشعر بأنني أجنبي في فرنسا، ففي كل مرة أخرج فيها من
مطار رويسي وعند العودة من سفر إلى بلدان أخرى وفي راديو
التاكسي أسمع اللغة الفرنسية.. هذه اللغة التي يتحدثها
الكثير من الرجال ومن النساء بارتعاش مخملي في الصوت، متغنين
بالمقاطع الصوتية برفق. أشعر عندها بالراحة لكوني في بيتي.
لقد بدأت أُقيّم هذه اللغة، التي تبدو رائعة في فم رجل كما
هي رائعة في فم امرأة. وفي فلم
Petit Opera
الذي فيه ممثل ممتاز نسيت أسمه كان يجوب على
دراجة هوائية أحياء باريس مغنياً، لقد تحولت صورة تلك الحياة
الباريسية التي لم أعرفها حتى ذلك الحين بدقة إلى ذكرياتي
الشخصية.
عندما عشت بالقرب من ساحة
الباستيل كنت أتسكع في الشوارع ليلاً، وعند نهاية شارع
روكيته، ذلك الشارع المكتظ في وسط الليل. كنت أشعر أحياناً
بأنني وحيداً. وفي مقهى الباستيل التقيت بفنانين وشباب حيث
غالباً ما توجد هناك فتيات جميلات يثرن إعجابي. أتذكر بأن
مدرسي للغة الفرنسية في الصين كان لديه أيضاً حنيناً جارفاً
إلى مقاهي شبابه في باريس. وقد كان يشرح في دروسه ما تعنيه
المقاهي الباريسية بينما يرسم بالطباشير على السبورة سلسلة
من أحذية النساء ذات الكعوب العالية، حادة أو بأحزمة
وبأسمائها التي لا تحصى.. ذلك الرجل العجوز قد عانى هو الآخر
لاحقاً خلال (الثورة الثقافية)المزعومة.
الآن تشكل أصناف المقاهي
الباريسية جزءاً من حياتي ومعها تحديداً تبدأ علاقات الحب
والصداقة. فمثلاً أذكر بأنني قد ضربت موعداً في مقهى بيابورغ
مع امرأة مجهولة كانت قد بعثت لي برسالة بعد أن قرأت روايتي.
وما أن صعدت درجات مدخل المقهى حتى التقيت مباشرة مع السيدة
ذات القبعة الحمراء، وهي إشارة تعارف اتفقنا عليها عبر
الهاتف. وكنت قد قرأت بعض قصائدها فوجدتها بالغة الحساسية
وشديدة الاستفزاز. مكتوبة على آلة كتابة عجوز مثل صاحبتها
ومنشورة ضمن سلسلة منشورات (الآوبه). كانت ممثلة اعتزلت الفن
ورحلت إلى الريف حيث تكتب قصائدها هناك. أخرجت حزمة من
الأوراق من حقيبتها وراحت تقرأها لي واحدة بعد الأخرى. أثرت
بي قصائدها بشكل حقيقي، وليس ذلك بفعل صوتها التمثيلي
الشاخر، ولكن لما فيها من تحد عنيف تواجه به المجتمع
والموت... في يوم ما وعلى رصيف المترو شاهدت ملصقاً يقول:"
تمهلوا للحظة رجاءً، فبإمكانكم أن تقرأوا قصيدة جيدة".
توقفت؛ رأيت امرأة متوسطة العمر، وشاعرة أيضاً، متخفية خلف
كتب، تبيع مجموعتها الشعرية، المطبوعة جيداً ـ من المؤكد
إنها هي التي دفعت تكلفة الطباعة ـ تصفحتها بفضول واشتريت
نسخة بأربعين فرانك. وصل المترو وبينما كنت أقرأ تلك الصفحات
تجاوز بي المترو المحطة التي كنت أقصدها.. لقد كانت القصائد
مكتوبة بشكل جيد.
بيري دوبرينكيث رئيس التحرير لمجلة (شعر)
سألني: من هو شاعري المفضل من الفرنسيين المعاصرين. لم أجد
اسماً أقوله ولكن ثمة شعراء أكثر من السابق، وإذا ما قام أحد
بجولة في سوق الشعر، في ساحة ساينت سولبيثه سيجد الكثير من
الكتب المنشورة... لسوء الحظ لم يكن ذلك زمن الشعراء فقد
نحّاهم المطربون ونجوم السينما. ولكن وإن كان الأمر كذلك
فالشعر حاضر في كل باريس... تحت سماء رمادية، تحت زخات المطر
الخفيفة، في أضواء باريس شديدة التنوع. عندما كنت في المقهى
القريب من فتحة محطة مترو أودن، منتظراً لشخص ما، ومع اليقين
بأنه لن يكف عن رؤيتي، شعرت بأنني مفعم بالحياة، بينما كنت
أراقب الناس بهدوء وهم يمرون أمام الزجاج. في باريس وجدت
عشقي وخصوصية واثقة، وإن كانت في بعض الأحيان يومية عابرة.
خلف سلم الأزهار الحديدي، أنا وعشيقتي كنا في الغرفة عاريين
بعد ممارسة الحب أو قبل أن نستحم، وبينما كنا نحتسي كأسينا
كنا نعرف بأن ثمة أحد يرانا عبر النافذة المقابلة فرحنا نضحك
بلا خوف من انه سيشتكينا. إن حياتي الخاصة كانت، فيما مضى،
بالغة المراقبة، فقد عشت في الصين مرحلة عسيرة كان الجميع
فيها مراقباً من قبل الجيران، ومن قبل الرفاق إضافة إلى
الشرطة. إلى الحد الذي لم أكن أجرؤ فيه على امتلاك هاتف خشية
أن يتحدث معي أصدقائي بلا حذر، وبهذا يجلبون لي المشاكل. أما
الآن فأنا أعيش كما أريد دون أن أزعج نفسي وأكلفها بالتظاهر
أو بالإخفاءات... مع بداية (الثورة الثقافية) عندما حاول أبي
الانتحار. أحرقتُ تابوتاً من المخطوطات كانت تزن ثلاثين كيلو
غرام. أبي الذي تمكنوا من إنقاذه في المستشفى تم إرساله إلى
الريف فمات بعد ثلاثة أشهر من رد اعتباره. وأمي هي الأخرى تم
إرسالها إلى المزارع من أجل أن يعيدوا تربيتها فغرقت في
النهر. الشرطة اقتحمت مسكني في بكين بعد نشر مسرحيتي
(La fuite )
التي كتبتها في فرنسا بعد ثلاثة أشهر من
مذبحة ساحة السلام السماوي. كل الذي كتبته صار ممنوعاً في
وطني الأصلي ( هذا إذا كان موجوداً.. ولمن هو؟). لم أتجه إلى
السياسة.. بل أنني أقرف منها. لا أعتبر نفسي منشقاً معارضاً
ولا الناطق باسم شعب مقموع. وإذا ما عبرت بلا محرمات فهو فقط
تعبير عن نفسي كفرد من أجل التمتع بحياة واقعية.
لقد قال مارك تشاغال بكل
وضوح؛ لولا فرنسا لما أصبحت ما أنا عليه الآن. فبين أعمالي
التي لها قيمة حقيقية، هي تلك الأعمال التي كتبتها أو
أنهيتها في هذا البلد فرنسا. صديقي جان بيير وارتث كلفني من
قبل بكتابة مسرحية وهذا ما حفزني على الكتابة مباشرة باللغة
الفرنسية. لقد كانت تلك مغامرة في هذه اللغة الجميلة. وكان
النجاح الجماهيري للعمل في مسرح روند بوينت مشجعاً لي...
وهكذا تحولت إلى كاتب فرانكفوني. في يوم ما في ميتث وخلال
افتتاح معرض تشكيلي لي، قدمني صاحب الصالة إلى شابة، خجولة
ومحافظة، قالت لي بأنها قد قرأت عملي (على حافة الحياة)
وسألتني كيف استطعت كتابته، إنها قصتها!. تجرأت أن أسألها عن
عمرها فأجابتني بتردد وحيرة:عشرون عاماً... فحتى بين الشباب
هنا لا يرونني أجنبياً.
أمامي تمتد الحياة التي
منحتني إياها فرنسا. يعجبني سطوع شمس بروفنثا، ولحسن الحظ
فإنني لم أعرف أبداً أي شخص منحط. آلي، نوئيل، ليليان
دوترايت هؤلاء الذين أعرفهم منذ خمسة عشرة عاماً، تأخر
الثلاثة في ترجمة روايتي (جبل الروح)... لم أكن أتخيل بأنني
سأحتفل ذات يوم في أمسية لقاء مع قراء مجهولين، دافئين كنار
مدفأة في مطعم ريفي.
لقد بدأت كتابة عملي هذا في
بلدي السابق في ظل الثقافة البالغة القدم، دون أن أفكر بأنني
سأنشره. وبالصدفة لن ينشر هناك ربما مادمت حياً. أعرف هذا
جيداً، ولكن ذلك لا يهمني. فهنا لدي قرائي، ومشاهديني
ومعارفي وأصدقائي. وأنا متواطن معهم كما يقولون.. منذ وقت
قريب حصلت على الجنسية الفرنسية. وها أنا الآن أعيش في ضواحي
باريس بالقرب من الحزام الخارجي. في بيت هو ملكي الخاص ومن
خلال نوافذه في الشقة رقم 18. لدي مشهداً بانورامياً للمدينة
بما في ذلك برج إيفل. هذا هو واقعي اليومي. عندما يكون
الهواء نقياً أرى كيف تغيب الشمس وراء البويز بولغن. وعندما
يهطل الثلج تخلق عواصفه الملتوية فنتازيا مذهلة.. ذات يوم
مثلج كان فيه إضراب عام لوسائط النقل بما فيها سيارات
التاكسي، اتصل بي هاتفياً جيرارد ميودل الذي كان ناقداً
أدبياً في صحيفة (التحرر) والذي اتفقت معه بكل سرور على
اللقاء في مقهى باريسي. ففي جو من الإضراب وعلى الرغم من
الثلوج ساد المدينة مهرجاناً في الشوارع، الناس تتزلج على
الأرصفة والدراجات الهوائية تمرق بين السيارات الواقفة،
يحتشدون في التقاطعات، في المقاهي. كان الناس ينتهزون ذلك
للراحة. وفي نهاية الأمر جاء هو إلى بيتي بعد أن سار على
قدميه ثلاث ساعات، دون أن يفكر بحساب العودة. وتحدثنا على
مدى ثلاث ساعات أخرى... في ذلك الجو الرمادي، شعرت بالسعادة
الغامرة لكوني في بيتي... فما هو بلدي؟.. إنه هذه الروح من
الحرية التي توحدني بالناس الذين يؤسسون روح فرنسا.. تلك
الروح التي تحافظ عليها دائماً.